خُذْ مثلاً رحلة الإسراء والمعراج تجد فيها غيباً يحرسه مشهد، كيف؟ تعرفون أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرّض لكثير من الأذى وضُيْق عليه وعلى دعوته وعلى المؤمنين به، وكان آخر ذلك في الطائف حيث آذاه أهلها حتى شقَّ عليه ما يلاقي. وقلنا: إنه جلس يناجي ربه ويشتكي إليه قسوة هؤلاء ويطلب منه النُّصْرة.
بعدها جاء حادث الإسراء والمعراج، وكأنه رحلة تخفِّف عن رسول الله ورسالة تقول له: يا محمد إنْ جفاك أهل الأرض فسوف احتفل بك في أهل السماء وأذهب بك إلى مكان لم يذهب إليه أحدٌ قبلك، وأريك من آياتي ما لم يره أحد قبلك.
والمتأمل في سَيْر هذه الرحلة يجد أن الحق سبحان مهَّد بالإسراء للمعراج، فجعل رحلة الإسراء آية أرضية وهي آية مشاهدة معروفة أبعادها وتفاصيلها، وكثيرٌ من أهل مكة يذهبون في هذه الرحلة من مكة إلى بيت المقدس، ويمكن أن يقام عليها دليل عقلي لمن لا يؤمن بها؟
لذلك لما كذَّبه قومه وقالو: أتزعم أنك أتيتَ بي المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ ثم طلبوا من رسول الله أنْ يصف لهم بيت المقدس، وأنْ يعطيهم علامات في الطريق، ولو كانوا على يقين من هذه الرحلة ما سألوا رسول الله ذلك.
فهم إذن يريدون تعجيز رسول الله. لكن الله أيَّد رسوله وعرض أمامه صورة تفصيلية لبيت المقدس فأخذ رسول الله يصفه لهم، ثم أخبرهم بالعير التي لهم في طريق التجارة، وأنها بمكان كذا، وفيها كذا وكذا، ولما وصلتْ قوافلهم التجارية وجدوها كما أخبر رسول الله.
إذن: أمكن إقامة الدليل على صدقه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء لتكونَ مقدمة للمعراج، وهو رحلة سماوية لا يطلع عليها أحد، ولا يمكن إقامة الدليل العقلي عليها، لكن الذي خرق القوانين الكونية لمحمد في رحلة الإسراء يمكن أنْ يخرق له القوانين في رحلة المعراج.
إذن: جعل الغيب الذي يُقام عليه دليلٌ مقدمة للغيب الذي لا دليلَ عليه.
ثم إن كلمتهم التي اعترضوا بها على رسول الله لمَّا قالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً، هذه الكلمة نفعتنا فيما بعد ونردّ بها على دعاة التنوير والفلسفة الفارغة الذين يقولون إن الإسراء كان بالروح لا بالجسد.
فنقول لهم: لو كان الإسراء بالروح ما قال كفار مكة هذه الكلمة، وما قالوها إلا لعلمهم أنه كان حقيقة بالروح وبالجسد، وأن رسول الله ذهب إليها وقطع المسافات على وجه الحقيقة.