وقوله تعالى هنا: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} ، إشارة إلى أن الأم عندما يأذن الله لها بأن تحمل، أو يأذن لها بأن تضع الحمل، إنما هي منفذة لأمر الله الموكول إليها تنفيذه، وقائمة بتحقيق مراد الله في عمارة الأرض، واستمرار حياة الإنسان القصيرة على سطحها، لا اختيار لها في حمل ولا في وضع، وإنما هي تحت حكم القدرة الإلهية المسخرة للكون كله، وليس المراد أن الأم تكره الحمل وتكره الوضع، ولا ترغب فيهما، فقد زرع الله في"الأنثى"على العموم محبة النسل والولد، رغما عن جميع التضحيات والمتاعب والمشاق التي تتحملها في هذا السبيل.
وقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} ، إشارة إلى
أقل مدة يمكن أن يقع فيها الحمل وهي ستة أشهر، وإلى أطول مدة يمكن أن يتم فيها الرضاع وهي أربعة وعشرون شهرا.
ومن وصية الله للإنسان بالإحسان إلى الوالدين انتقل كتاب الله إلى وصف نموذجين من نماذج الأولاد التي يواجهها الآباء والأمهات في حياتهم باستمرار:
الأول: نموذج الولد البار المهتدي الذي يمتثل وصية الله بالإحسان إلى والديه، ويقوم بها حق القيام، وهذا له الجزاء الحسن عند الله.
والثاني: نموذج الولد العاق الضال، الذي يهمل وصية الله، فيعامل والديه بالإساءة والتأفف دون أي اعتبار، وجزاؤه الخسران والهوان في الدنيا والآخرة.
وإلى النموذج الأول وهو الولد البار المهتدي يشير قوله تعالى: {رَبِّ أَوْزِعْنِي} ، أي ألهمني، {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} ، وإلى ما ادّخره الله له من الجزاء الحسن يشير قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} .