فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 409277 من 466147

وربط الجار والمجرور (بوالديه) بالإحسان أكشف لمزيّة المراد وأبهر من ربطها بـ (وصَّى) فالموصى بهما منوطان بالإحسان والإجلال والإلطاف، لا بالوصاة الخاوية من الظلال، ودليل آخر قول يوسف عليه السلام: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي) فمن كمال عبوديته جاء بالباء لتفصح عما غمره به مولاه من الإحسان، يمسه، يرتديه، يتقلب في أعطافه. فالحرف عبَّر عن رصيد الجميل والإحسان المذخور في نفسه وقد وهم الآلوسي حين منع تعدي الإحسان بالباء ومنع قوم تقديم معمول المصدر عليه والصحيح أنه يجوز إذا كان ظرفا أو جاراً ومجروراً.

وأخيرا أقول: الوصاة إشارة تُغني عن العبارة لمن هو في المستوى الإنساني الشفيف. وصلة الوصاة بالإحسان من أكبر غايات الأداء التربوي للتعامل بين الأبناء والآباء، والتلميح بالوصاة يغني عن التصريح وهو السؤال والاستعطاء والطلب.

فالإلزام يخرج عن الأريحية والطوعية إلى القسرية، واللَّه يريد أن يصدر الإحسان من ذات الإنسان راغبا غير مجبر ليحقق الأهداف التربوية المنشودة من وراء الوصاة. وفي هذا تكريم للأبناء أي تكريم.

(وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ...(15)

ذكر أبو حيان والزمخشري والعكبري: سأل أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومَظِنّة له، كأنه قال: هب لي الصلاح في ذريتي فأوقعه فيهم، أو ضمن (أصلح) معنى (الطف) بي في ذريتي لأن أصلح يتعدى بنفسه كقوله: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) ولذلك احتيج قوله: (فِي ذُرِّيَّتِي) إلى التأويل. وقال الآلوسي: أصلح: نزل منزلة اللازم ثم عدي بـ (في) ليفيد ما أشرنا إليه من سريان الصلاح فيهم وكونهم كالظرف له لتمكنه فيهم وإلا فكان الظاهر: وأصلح لي ذريتي، وقيل: بـ (في) لتضمنه معنى (الطف) أي الطف بي في ذريتي والأول أحسن.

أقول: لقد ضمن الزمخشري وغيره كما ذكرت فعل (أصلح) معنى (الطف أو هب) ولطف يتعدى بالباء لا باللام قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) . ولعل السياق يعدل بنا عن (الطف) إلى (بارك) . والمتعدي باللام وبفي. لدلالة تضمنه على الغرض من الدعاء. فإذا دعا بنزول البركة، وحلَّتْ على الذرية فهذا ثمرة الإصلاح وغايته، إذ كيف يبارك اللَّه في ذرية غير صالحة، وكيف تكون موطنا للصلاح إن خلت من البركة؟! فجاء اللفظ كالتنبيه على الأخذ بالأسباب لتطلب، ويُجتَهد في تحصيلها. فإذا دعا بالبركة فقد دعا بتوفر أسبابها، وأعلاها وأجلها الصلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت