فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيدِ ، كما فسر أبو بكر الصدِّيق
وغيرُه قولَه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَ اسْتَقَاموا) ، بأنَّهم لم يلتفتُوا
إلى غيرِه ، فمتى استقامَ القلب على معرفةِ اللهِ ، وعلى خشيتهِ ، وإجلالهِ.
ومهابتهِ ، ومحبتهِ ، وإرادتهِ ، ورجائهِ ، ودعائهِ ، والتوكُّلِ عليه ، والإعراضِ عما سِواه ، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعتهِ ، فإن القلبَ هو ملك الأعضاءِ ، وهي جنودُه ، فإذا استقامَ الملكُ ، استقامت جنودُه ورعاياه ، وكذلك فسِّر قولُه عزَّ وجلَّ: (فَاَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) ، بإخلاصِ القصدِ للَّهِ وإرادتهِ وحدَه لا شريكَ له.
وأعظمُ ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح: اللسانُ ، فإنَّه ترجمانُ
القلب والمعبِّرُ عنه ، ولهذا لما أمرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستقامةِ ، وصَّاه بعدَ ذلك بحفظِ لسانهِ ، وفي"مسندِ الإمامِ أحمدَ"عن أنس ، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
"لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيمَ قلبُه."
ولا يستقيمَ قلبُه حتَّى يَّسَتقيمَ لسانُه"."
وفي"الترمذيِّ"عن أبي سعيدٍ الخدري مرفوعًا وموقوفًا:
"إذا أصبحَ ابنُ آدمَ ، فإن الأعضاءَ كلَّها تكفرُ اللسانَ ، فتقولُ: اتق اللهَ فينا ، فإنما نحنُ بك ، فإن استقمتَ استقمنا ، وإن اعوجَجْتَ اعوججنا".
قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ)
[قال البخاري] بَابٌ إذَا هَبَّتِ الرِّيحُ: حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريم: أنا
محمدُ بنُ جعفرٍ: أخبرنِي حُميدٌ ، أنَّهُ سمعَ أنس بن مالكٍ يقولُ: كانتِ الرِّيحُ
الشديدَةُ إذا هَبَّتْ عُرفَ ذلكَ في وَجهِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - .