وفي قولهِ عزَّ وجلَّ: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِروهُ) ، إشارةٌ إلى أنَّه
لا بُدَّ من تقصيرٍ في الاستقامةِ المأمورِ بها ، فيجْبُرُ ذلك الاستغفارُ المقتضي
للتَّوبةِ والرُّجوع إلى الاستقامة ، فهو كقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ:"اتَّقِ اللَّهَ حيثُما كنتَ ، وأتبع السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها".
وقد أخبرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -
أنًّ الناسَ لن يُطيقُوا الاستقامةَ حقَّ الاستقامةِ ، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجةَ من حديثِ ثوبانَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"استقيموا ولن تُحْصوا ، واعلمُوا أنَّ خيرَ أعمالكُم الصَّلاةُ ، ولا يُحافِظُ على الوضوءِ إلا مؤمنٌ".
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ:"سَدِّدُوا وقاربُوا ، ولا يحافِظُ على الوضوءِ إلا مؤمنٌ".
وفي"الصحيحينِ"عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"سدِّدُوا وقاربُوا".
فالسَّدادُ: هو حقيقةُ الاستقامةِ ، وهو الإصابةُ في جميع الأقوالِ والأعمالِ
والمقاصدِ كالذي يرمي إلى غرضٍ فيُصيبُه.
وقد أمرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليًّا أن يسألَ
اللَّهَ عزَّ وجلَّ السَّدادَ والهُدى ، وقالَ له:
"اذكرْ بالسَدادِ تسديدَكَ السَّهمَ ، وبالهدى هدايتك الطَّريق".
والمقاربةُ: أن يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرضِ إذا لم يُصِبِ الغرضَ نفسه.
ولكنْ بشرطِ أن يكونَ مصمِّمًا على قصدِ السَّدادِ وإصابةِ الغرضِ ، فتكونُ
مقاربتُه عن غيرِ عمد.
ويدلُّ عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ الحكم بنِ حزنٍ الكُلَفي:
"أيُّها النَّاس إنَّكم لنْ تعملُوا - أو لن تُطيقوا - كلَّ ما أمرتُكم ، ولكنْ سدِّدُوا وأبشرُوا".
والمعنى: اقصِدُوا التَّسديدَ والإصابةَ والاستقامةَ ، فإنَّهم لو سدَّدُوا في
العمل كله ، لكانوا قد فعلُوا ما أُمِرُوا به كُلّه.