قول ابن عطية:"الحمل والفصَالُ كالطّهر والحيض، فبقَدْر ما يُنتقص من أحدهما يزداد في الآخر"غيرُ صحيح؛ ويلزم عليه إنْ تحَاكم إلينا نساءُ زماننا في الرضاع، أنْ يُحكم لهن بأحد وعشرين شهرا، لأنّ أمَدَ حملهن تسعَةُ أشهر، وليس كذلك، فالحكم لهنّ بحوْليْن كاملين. والآية لم تتضمنْ مطلقَ الحمل بل الحمل الشرعي، وأقلُّ الحمل الشرعيِّ ستةُ أشهر، فإذا وضَعَتْه لأقلّ منها فهو للثاني لا للأول، فالحمل والفصال يكونان أكثرَ من ثلاثة أشهر، والذي في الآية أقلّه شرعا.
وسُمِّيَ أمد الرضاع فصالا من باب تسمية الشيء باسم ضدِّه للملابسة التي بينهما، وهي مشاركةُ الفصال لآخر زمَنِ الرضاع، كقول ابن التلمساني في قولهم"جرى الميزَابُ"،"وإنما جرى الماء فيه، لكنْ بينهما ملابسة".
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} :
أكثر النحويين أن حتَّى حرف غاية، وحكى ابن خروف في"شرح كتاب سيبويه"قولا بأنَّ حتّى الجارَّةَ هي التي تلزمُها الغايةُ، وأما غيرُها فَلاَ.
19 - {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ} :
في زيادة الإيمان ونقصه، ثالثُها يزيد ولا ينقص؛ وسكتوا عن الكفر فلم يذْكروا فيه خلافاً، وظَاهرُ الآية أنه كالإيمان في الزيادة والنقص؛ لأنّ لفظ الدرجات يعمُّهما لصدْقه على منازلِ النعيم ومنازل العذاب.
الزمخشري:"يقال في النعيم درجات وفيِ العذاب دَرَكَاتٌ"، فجعله ابن عطية القدْرَ المشترك بينهما، وهو التفاوت، فيكون مبهما؛ وجعله الزمخشري خالصا فيكون مبَيَّناً، والبيان أوْلى من الإبهام، لكنْ يلزَمُ الزمخشريَّ المجازُ أو التغليبُ لاستعمال اللفظة هنا في النعيم والثواب معا.
وسُئل المازري في"أسولته"عن الجن هل ينعمون في الدار الآخرة بدخول الجنة أم لا؟، فأجاب بأنهم ينعمون بذلك، وكذلك قال عياض في"المدارك"، لما عرَّفَ بمحمد بنِ عبد اللَّه بنِ عبد الحكم، قال:"سئل هل للجن جزاءٌ في الآخرة عن عملهم، فقال نعم؛ واحتج بقوله تعالى (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ) الآية".
وحكى الزمخشري عن أبي حنيفة أن اِلجنَّ مكلَّفُون، وأنهم ينعمون بالثواب كما يعذبون، وفي الحديث"أنَّهُ جَعَل العَظْمَ زَادَهُمْ، والرَّوْثَ زَادَ دَوَابِّهِمْ".