الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الباء حُذف، لأنه أريد بالاستغاثة هاهنا الدُّعَاءُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ يَدْعُوَانِ اللَّهَ فَلَمَّا أُرِيدَ بِالِاسْتِغَاثَةِ الدُّعَاءُ حُذِفَ الْجَارُّ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يَقْتَضِيهِ.
وَقَوْلُهُ (وَيْلَكَ) أَيْ يَقُولَانِ لَهُ وَيْلَكَ آمِنْ وَصَدِّقْ بِالْبَعْثِ وَهُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَثُّ، وَالتَّحْرِيضُ عَلَى الْإِيمَانِ لَا حَقِيقَةَ الْهَلَاكِ.
(وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)
فَإِنْ قَالُوا كَيْفَ يَجُوزُ ذِكْرُ لَفْظِ الدَّرَجَاتِ فِي أَهْلِ النَّارِ، وقد جاء في الأثر الجنة الدرجات، وَالنَّارُ دَرَكَاتٌ؟
قُلْنَا فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيبِ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ زَيْدٌ: دَرَجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَذْهَبُ علوا، ودرج أهل النار ينزلوا هُبُوطًا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّرَجَاتِ الْمَرَاتِبُ الْمُتَزَايِدَةُ، إِلَّا أَنَّ زِيَادَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْخَيْرَاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَزِيَادَاتِ أَهْلِ النَّارِ فِي الْمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ.
(فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ(20)
عَلَّلَ تَعَالَى ذَلِكَ الْعَذَابَ بِأَمْرَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: الِاسْتِكْبَارُ وَالتَّرَفُّعُ وَهُوَ ذَنْبُ الْقَلْبِ.
الثَّانِي: الْفِسْقُ وَهُوَ ذَنْبُ الْجَوَارِحِ، وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ أَحْوَالَ الْقُلُوبِ أَعْظَمُ وَقْعًا مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِكْبَارِ أَنَّهُمْ يَتَكَبَّرُونَ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الْحَقِّ، وَيَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَمَّا الْفِسْقُ فَهُوَ الْمَعَاصِي.
(تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لَا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ(25)
قَولُهُ تَعَالَى: (كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)
الْمَقْصُودُ مِنْهُ تَخْوِيفُ كَفَّارِ مَكَّةَ.