قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ} ، وَقَرَأَ {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تَرْجِعُونَ} وَقَالَ: «بَلَاءٌ مُبِينٌ لِمَنْ آمَنَ بِهَا وَكَفَرَ بِهَا، بَلْوَى نَبْتَلِيهِمْ بِهَا، نُمَحِّصُهُمْ , بَلْوَى اخْتِبَارٍ، نَخْتَبِرُهُمْ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، نَخْتَبِرُهُمْ لِنَنْظُرَ فِيمَا أَتَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهَا، وَيَنْتَفِعُ بِهَا وَيُضَيِّعُهَا» .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ آتَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ ابْتِلَاؤُهُمْ وَاخْتِبَارُهُمْ، وَقَدْ يَكُونُ الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ بِالرَّخَاءِ، وَيَكُونُ بِالشِّدَّةِ، وَلَمْ يَضَعْ لَنَا دَلِيلًا مِنْ خَبَرٍ وَلَا عَقْلٍ، أَنَّهُ عَنَى بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ اخْتَبَرَهُمْ بِالْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا جَمِيعًا وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى اخْتِبَارَهُ إِيَّاهُمْ بِهِمَا، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ أَنْ نَقُولَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّهُ اخْتَبَرَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ {لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى} الَّتِي نَمُوتُهَا، وَهِيَ الْمَوْتَةُ الْأُولَى {وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ} بَعْدَ مَمَاتِنَا، وَلَا بِمَبْعُوثِينَ تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِالْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
وَقَوْلُهُ: {فَأَتَوْا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأْتُوا بِآبَائِنَا الَّذِينَ قَدْ مَاتُوا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَنَّ اللَّهَ بَاعِثَنَا مِنْ بَعْدِ بَلَانَا فِي قُبُورِنَا، وَمُحْيِينَا مِنْ بَعْدِ مَمَاتِنَا، وَخُوطِبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَحْدَهُ خِطَابَ الْجَمِيعِ، كَمَا قِيلَ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} وَكَمَا قَالَ {رَبِّ ارْجِعُونِ}