ثم نبه إلى أنهم لا يوفون بعهدهم، بل إذا زال الخوف نكصوا على أعقابهم، ورجعوا إلى سيرتهم الأولى، وعضوا على الكفر بالنواجذ، وساروا على طريق الأباء والأجداد، فقال: إنا كاشفوا العذاب، إلخ؛ أي: إنا رافعوا هذا الضر النازل بهم، بالخصب الذي نوجده لهم زمنًا يسيرًا، وإنا لنعلم أنهم عائدون إلى سيرتهم الأولى من تمسكهم بالكفر، وترك الحق وراءهم ظهريًا لما في طباعهم من الميل إلى عبادة الأوثان، وتقليد الآباء والأجداد.
16 -ولما كان العذاب الأليم لم يؤثر، والإصلاح بالعلم والإيمان لم يفد أمهلناهم إلى يوم البطشة الكبرى، حيث لا توبة بعدها فينتقم الله منهم، وهذا ما عناه سبحانه، بقوله: {يَوْمَ نَبْطِشُ} ونأخذهم {الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى} ؛ أي: الأخذة الشديدة {إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} منهم أشد الانتقام؛ أي: يوم القيامة ننتقم منهم، ونعاقبهم العقوبة العظمى، فيوم ظرف لما دل عليه قوله: {مُنْتَقِمُونَ} ، وهو ننتقم، لا بمنتقمون؛ لأن ما بعد {إِنَّ} لا يعمل فيما قبلها، أو منصوب بمحذوف. تقديره: اذكر يوم نبطش البطشة الكبرى، إنا منتقمون منهم في ذلك اليوم، ويوم البطشة الكبرى هو يوم القيامة. كما ذكرنا آنفا، قاله الحسن وعكرمة وابن عباس.
والمعنى عليه: أي إننا يوم القيامة لنسلطن عليهم بأسنا، وننتقمن منهم أشد الانتقام، ولا يجدن شفيعًا ولا وليًا ولا نصيرًا يمنع عنهم عقابنا، فيندمن ولات حين مندم، وقيل: البطشة الكبرى هي يوم بدر، قاله الأكثر. والمعنى عليه: إنهم لما عادوا إلى التكذيب والكفر بعد رفع العذاب عنهم، انتقم الله منم بوقعة بدر.
والظاهر: أن ذلك يوم القيامة. وان كان يوم بدر يوم بطشة كبرى أيضًا. قال الشوكاني: بل الظاهر: أنه يوم بدر وإن كان يوم القيامة يوم بطشة كبرى من كل بطشة، فإن السياق مع قريش، فتفسيره بالبطشة الخاصة بهم، أولى من تفسيره بالبطشة التي تكون يوم القيامة لكل من الإنس والجن.