9 -ثم بين أنهم، ليسوا بموقنين بالجواب، بعد أن تبين لهم الرشد من الغي، فقال: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ} مما ذكر من شؤونه تعالى، غير موقنين في إقرارهم بأنه تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما {يَلْعَبُونَ} لا يقولون ما يقولون عن جدّ وإذعان، بل مخلوطًا بهزء ولعب، وهو خبر آخر للمبتدأ. وفي"كشف الأسرار"الظرف متعلق بالفعل، أو حال من فاعل {يَلْعَبُونَ} ؛ أي: بل هم يلعبون في شك، ويتحيرون فيه، مثل قوله: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} أو بل هم حال كونهم في شك مستقر في قلوبهم يلعبون؛ أي: بل هم في شك من التوحيد والبعث والإقرار، بأن الله خالقهم، وإن قالوا ذلك، فإنما يقولونه تقليدًا لآبائهم، من غير علم، إذ هم قابلوه وبالهزء والسخرية، فعل اللاعب العابث الذي يأخذ الجد، وما لا مرية فيه، أخذ الهزل الذي لا فائدة فيه.
10 -والفاء، في قوله: {فَارْتَقِبْ} فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره إذا عرفت حالهم هذا، وأردت بيان عاقبتهم ... فأقول لك: انتظر يا محمد لكفار مكة {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} ؛ أي: ظاهر لا شك فيه، و {يَوْمَ} مفعول {ارتقب} والباء للتعدية، ويجوز أن يكون ظرفًا له، والمفعول محذوف؛ أي: ارتقب وعد الله في ذلك اليوم، أطلق الدخان على شدة القحط، وغلبة الجوع على سبيل الكناية، أو المجاز المرسل.
والمعنى: فانتظر لهم يوم شدةٍ ومجاعة فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان، إما لضعف بصره، أو لأن في عام القحط يظلم الهواء، لقلة الأمطار وكثرة الغبار، ولذا يقال لسنة القحط السنة الغبراء، كما قالوا: عام الرمادة، والظاهر أن السنة الغبراء ما لا تنبت الأرض فيها شيئًا، وكانت الريح إذا هبت ألقت ترابًا كالرماد، أو لأن العرب تسمي الشر الغال دخانًا، وإسناد الإتيان إلى السماء لأن ذلك يكفها عن الأمطار، فهو من قبيل إسناد الشيء إلى سببه.