الخامس: أنها لا تغتال عقولهم ، قاله السدي وأبو عبيدة ، ومنه قول الشاعر:
وهذا من الغيلة أن... يصرع واحد واحدا
{ولا هم عنها ينزفون} فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: لا تنزف العقل ولا تذهب الحلم بالسكر ، قاله عطاء ، ومنه قول الشاعر:
لعمري لئن أنزفتم أو صحوتُم... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا
الثاني: لا يبولون ، قاله ابن عباس ، وحكى الضحاك عنه أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول ، فذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال.
الثالث: أي لا تفنى مأخوذ من نزف الركية ، قاله أبو عمرو بن العلاء ، ومنه قول الشاعر:
دعيني لا أبا لك أن تطيقي... لحاك الله قد أنزفت ريقي
وقد يختلف هذا التأويل باختلاف القراءة ، فقرأ حمزة والكسائي ، ينزفون بكسر الزاي ، وقرأ الباقون يُنزَفون بفتح الزاي ، والفرق بينهما أن الفتح من نزف فهو منزوف إذا ذهب عقله بالسكر ، والكسر من أنزف فهو منزوف إذا فنيت خمره ، وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ينقطع عنهم التذاذ نعيمهم.
قوله عز وجل: {وعندهم قاصِراتُ الطّرفِ عينٌ} يعني بقاصرات الطرف النساء اللاتي قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم مأخوذ من قولهم: قد اقتصر على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره ، قال امرؤ القيس:
من القاصرات الطرف لو دب مُحولٌ... من الذّرّ فوق الخد منها لأثّرا
وفي العين وجهان:
أحدهما: الحسان العيون ، قاله مجاهد ومقاتل.
الثاني: العظام الأعين ، قاله الأخفش وقطرب.
{كأنهن بيضٌ مكنون} فيه وجهان:
أحدهما: يعني اللؤلؤ في صدفه ، قاله ابن عباس ، ومنه قول الشاعر:
وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغوا... ص ميزت من جوهر مكنون
الثاني: يعني البيض المعروف في قشره ، والمكنون المصون.
وفي تشبيههم بالبيض المكنون أربعة أوجه:
أحدها: تشبيهاً ببيض النعام يُكنّ بالريش من الغبار والريح فهو أبيض إلى الصفرة ، قاله الحسن.