ثم قال: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} أي: لا ينصر بعضكم بعضاً كما كنتم تعلمون في الدنيا.
{بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ} أي: مستسلمون لأمر الله وقضائه ، فهم موقنون بعذبه.
ثم قال: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} .
قال قتادة: أقبل الإنس على قرنائهم من الجن يتساءلون ، قال الإنس للجن: {قالوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين} أي: من قبل الدين (والحق) فتخدعوننا بأقوى الوجوه.
واليمين: القوة والقدرة في كلام العرب.
وقيل: معنى { (عَنِ) اليمين} من جهة إيماننا لأن إبليس اللعين قال: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} [الأعراف: 17] . فمن أتاه الشيطان
(من) عن يمينه أتاه من قبل الذين فيلبس عليه الحق ، ومن أتاه (من) عن شماله أتاه من جهة الشهوات ، ومن اتاه من بين يديه أتاه من جهة التكذيب بالجزاء والبعث ، ومن أتاه من خلفه أتاه من جهة الفقر على نفسه وعلى من يخلفه بعده . وعن اليمين: من قبل الدين أيضاً.
(وهو أيضاً) قول مجاهد والسدي وابن زيد.
وقال قتادة أيضاً:"عن اليمين": من قبل الخير فتنهوننا عنه.
وقال السدي:"عن اليمين": من قبل الدين ، به يزينون لنا بالباطل ويصدوننا عن الحق . وليس هذا بمناف لقوله: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [الأنبياء: 10] ، لأن معنى هذا: لا يتساءلون بالأنساب والأرحام
كما كانوا في الدنيا فيقول بعضهم لبعض: أسألك بالله والرحم.
وقيل: معنى قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ} عنى به المشركين ، يقول بعضهم لبعض: كنتم تأتوننا عن اليمين ، أي: من الجهة التي نحبها ونتفاءل بها.
والعرب تتفاءل/ بما جاء عن اليمين وتسميه السانح.