والظاهر أن قوله: {إنا لذائقون} ، إخبار منهم أنهم ذائقون العذاب جميعهم ، الرؤساء ، والأتباع.
وقال الزمخشري: فلزمنا قول ربنا: {إنا لذائقون} ، يعني وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة ، لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة.
ولو حكى الوعيد كما هو لقال: إنكم لذائقون ، ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم ، لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم ، ونحوه قول القائل:
لقد زعمت هوازن قل مالي ...
ولو حكى قولها لقال: قل مالك ، ومنه قول المحلف للحالف: لأخرجن ، ولنخرجن الهمزة لحكاية لفظ الحالف ، والتاء لإقبال المحلف على الحلف. انتهى.
{فأغويناكم} : دعوناكم إلى الغي ، فكانت فيكم قابلية له فغويتم.
{إنا كنا غاوين} : فأردنا أن تشاركونا في الغي.
{فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} : أي يوم إذ تساؤلوا وتراجعوا في القول ، وهذا إخبار منه تعالى ، كما اشتركوا في الغي ، اشتركوا فيما ترتب عليه من العذاب.
{إنا كذلك} : أي مثل هذا الفعل بهؤلاء نفعل بكل مجرم ، فيترتب على إجرامه عذابه.
ثم أخبر عنهم بأكبر إجرامهم ، وهو الشرك بالله ، واستكبارهم عن توحيده ، وإفراده بالإلهية.
ثم ذكر عنهم ما قدحوا به في الرسول ، وهو نسبته إلى الشعر والجنون ، وأنهم ليسوا بتاركي آلهتهم له ولما جاء به ، فجمعوا بين إنكار الوحدانية وإنكار الرسالة.
وقولهم: {لشاعر مجنون} : تخليط في كلامهم ، وارتباك في غيهم.
فإن الشاعر هو عنده من الفهم والحذق وجودة الإدراك ما ينظم به المعاني الغريبة ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة ، ومن كان مجنوناً لا يصل إلى شيء من ذلك.
ثم أضرب تعالى عن كلامهم ، وأخبر بأن جاء الحق ، وهو إثبات الذي لا يلحقه إضمحلال ، فليس ما جاء به شعراً ، بل هو الحق الذي لا شك فيه.
ثم أخبر أنه صدق من تقدمه من المرسلين ، إذ هو وهم على طريقة واحدة في دعوى الأمم إلى التوحيد وترك عبادة غيره.