والجواب عن الأول ما سبق من استعمال المضارع بمعنى الماضي، والمضارع أريد به الحال لا المستقبل؛ لأنه لما رأى رؤياه في الليل أصبح وهو يتذكرها ويتخيلها في الحال، وهو حال كل ذي رؤيا يذكرها، فلذلك عبر عن الماضي بلفظ الحال، وكذا قول ابنه {يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ} (102) [الصافات: 102] أي ما أنت مأمور به في الحال؛ لأنه مأمور في الحال بما كان أمر به في الماضي استصحابا لحاله، إذ لم ينسخ عنه بعد، وعن الثاني بأنه خلاف نص قوله: {قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى} (102) [الصافات: 102] ولم يقل، إني أعزم على ذبحك، ولأنه لو كان مأمورا بمقدمات الذبح لا غير/ [169 أ/م] لما كان فيه امتحان، ولا بلاء مبين، والنص مصرح بأنه كان بلاء مبينا، وأيضا لما كان فيه مزية لإبراهيم - عليه السّلام - على غيره، إذ صغار الناس إذا علم أنه مأمور بمقدمات ذبح نفسه لا غير، لم يتوقف في فعل ذلك، ورأى أنه مأمور بأنه يلعب.
وعن الثالث بأنه لو صح، لكان أولى ما ذكر في القصة هو، إذ هو أعظم وأعجب وأغرب وأتم نعمة على إبراهيم وابنه من الفداء بالكبش، وقد ذكر وعظم إذ قال:
{وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (107) [الصافات: 107] سلمنا أنه لا يلزم ذكره، لكن لو صح ما ذكرتموه، لما كان للفداء بالكبش معنى؛ لأن معنى الآية: وفديناه من الذبح بذبح عظيم فلو كان قد ذبح كما زعمتم لكان هذا الإخبار غير مطابق.
{وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ} (112) [الصافات: 112] يحتج به من رأى أن الذبيح إسماعيل، لأنه لما فرغ من قصة الذبيح بشر بإسحاق، وهو يدل على أن الذبيح غيره، وليس إلا إسماعيل وليس بنص، إذا العطف بين القصتين، أعني: قصة الذبح والبشرى بالواو، وهي لا تفيد الترتيب واحتمل أنه بشر بإسحاق أولا ثم أمر بذبحه ثانيا، وقد اختلف الناس في الذبيح، فالمسلمون على أنه إسماعيل، وأهل الكتاب على أنه إسحاق وعن أحمد فيه القولان:
احتج الأول بوجوه: أحدها: ما ذكرناه من سياق القصة وهو إن لم يكن نصا فهو ظاهر.