واحتج الجمهور بهذه القصة على جواز نسخ الفعل قبل وقوعه؛ لأن إبراهيم - عليه السّلام - أمر بذبح ابنه، ثم نسخ عنه قبل أن يفعل، ومنع ذلك المعتزلة.
ومأخذ الخلاف نظرا أن مثل هذا الفعل هل له فائدة أم لا؟
فالجمهور قالوا: له فائدة وهي امتحان المكلف بصدق العزم على الامتثال كما كان
من إبراهيم.
والمعتزلة قالوا: لا فائدة لذلك؛ إذ حاصله افعل لا تفعل، وهو تهافت، ثم أجابوا عن القصة بوجوه:
أحدها: لا نسلم أنه رأى أنه مأمور بذبحه وإنما ظن أن سيرى بدليل قوله: إني أرى وهو مستقبل لا ماض، ولهذا قال ابنه: افعل ما تؤمر بصيغة المستقبل، أي إن أمرت بذبحي كما خطر لك أنه سيكون، فافعل.
الثاني: سلمنا أنه أمر بشيء، لكنه لم يؤمر بنفس الذبح بل بمقدماته كأخذ المدية والإضجاع والربط ونحوه، وقد فعل ذلك بدليل: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (105) [الصافات: 105] ولو كان مأمورا بنفس الذبح لما كان صدقها.
الثالث: سلمنا أنه أمر بذبحه؛ لكن لا نسلم أنه نسخ قبل فعله، بل فعله، وكان كلما قطع جزءا من عنقه التحم، فلم يفرغ من قطعها حتى التحمت جزءا فجزءا، واعلم أن من تأمل القصة/ [352 ل] وسياقها علم بطلان هذه الوجوه بالضرورة واستغنى عن تكلف الجواب، لكن لا بد من جوابها على العادة.