قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ: أخرج ابن جرير عن قتادة: قال الصحابة: إن لنا يوما يوشك أن نستريح فيه وننعم، فقال المشركون: متى هذا الفتح إن كنتم صادقين؟ فنزلت.
المناسبة:
في القسم الأخير من السورة عود على بدء في تقرير الأصول الثلاثة وهي الرسالة والتوحيد والبعث، فبعد أن ذكر تعالى بقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تقرير رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم وإعادة بيان ما سبق في قوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً .. أعاد هنا ذكر التوحيد وبرهانه وإثبات القدرة الإلهية بالمشاهدات المحسوسة بقوله: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ وقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ .. ثم أعاد ذكر الحشر وإثباته بقوله: وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْفَتْحُ؟
التفسير والبيان:
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ، إِنَّ فِي
ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ
أي أولم يتبين لهؤلاء المكذبين بالرسل كثرة من أهلكنا من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم إياهم، وهؤلاء المكذبون يمرون أثناء أسفارهم في مساكن وديار أولئك المكذبين، ويشاهدون آثار تدميرهم كعاد وثمود وقوم لوط، لم تبق منهم باقية ولا أثر، كقوله تعالى: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [مريم 19/ 98] وقوله: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها [هود 11/ 68] وقوله: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل 27/ 52] وقوله: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ، فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج 22/ 45] .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ؟ أي إن في تدمير أولئك القوم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم لدلائل على قدرتنا، وعبرا وعظات يعتبرون ويتعظون بها، فهلا يسمعون عظاتنا، ويتذكرون تذكيرنا لهم، سماع تدبر واتعاظ وتفكر؟ والخلاصة: أن مساكن المهلكين دالة على حالهم.
وبعد بيان القدرة على الإهلاك، بيّن الله تعالى القدرة على الإحياء، فقال: