ونهيه صلّى الله عليه وسلّم عن أن يكون في شك، المقصود به أمته، والتعريض بمن اتصف بذلك.
وقيل الكتاب، المراد به التوراة، وضمير، لقائه، عائد إليه من غير تقدير مضاف. ولقاء مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله موسى، أي: فلا تكن في مرية من لقاء موسى الكتاب، ومضاف إلى فاعله، ومفعوله موسى. أي: من لقاء الكتاب موسى ووصوله إليه .. .
وهذا الرأي الأخير الذي عبر عنه الآلوسي - رحمه الله - بقوله «وقيل» وهو في رأينا رجح الآراء، وأقربها إلى الصواب، لبعده عن التكلف.
قال الجمل في حاشيته، بعد أن ساق ستة أقوال في عودة الضمير في قوله مِنْ لِقائِهِ:
وأظهرها أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب. أي: لا ترتب في أن موسى لقى الكتاب أنزل عليه».
قال صاحب الكشاف: والضمير في «لقائه» له - أي لموسى - ، ومعناه: إنا آتينا موسى - عليه السّلام - مثل ما آتيناك من الكتب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله، ولقيت نظيره كقوله - تعالى -: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ، فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ.
وقوله - تعالى -: وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أي: وجعلنا الكتاب الذي أنزلناه على نبينا موسى - عليه السّلام - هداية لبني إسرائيل إلى طريق الحق والسداد.
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا والأئمة: جمع إمام، وهو من يقتدى به في الأمور المختلفة. والمراد بهم هنا: من يقتدى بهم في وجوه الخير والبر.
أي: وجعلنا من بني إسرائيل أئمة في الخير والصلاح، يهدون غيرهم إلى الطريق الحق، بأمرنا وإرادتنا وفضلنا، وقد وفقناهم لذلك حين صبروا على أداء ما كلفناهم به من عبادات، وحين تحملوا الشدائد والمحن في سبيل إعلاء كلمتنا.
وأنت ترى أن جعلهم أئمة في الخير لم يكن اعتباطا، وإنما كان بسبب صبرهم على الأذى، وعلى مشاق الدعوة إلى الحق، وعلى كل أمر يستلزم الصبر وحبس النفس.
وفي ذلك إرشاد وتعليم للمسلمين، بأن يسلكوا طريق الأئمة الصالحين، ممن كانوا قبلهم، وأن يبلغوا دعوة الله إلى غيرهم بصبر ويقين.