فرق بين الجزاء والفرار، هذا الإنسان يريد أن يخلو بنفسه وليس في موقف جزاء هذا ولا إنقاذ، حتى الآن في البيت أحياناً يقول أحدهم اتركوني وحدي، عنده ما يشغله، عنده شيء يفكر فيه (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ(37) عبس) فهذا موقف فرار يريد أن يخلو بنفسه، ماذا قدّم؟ ماذا هناك؟ كيف يفعل؟ هذا موقف آخر غير هذا الموقف، موقف ثاني هذا، هذا موقف جزاء وذاك موقف الفرار لينظر ماذا هناك؟ كيف سينجو؟ ماذا قدّم (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) والفرار المعلوم في الدنيا أولاً المرء يفر من الأباعد ثم ينتهي بأقرب الناس إليه، هكذا عندما تفرّ تفر أولاً من البعيد فالأخ هو أبعد المذكورين (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) آخر من يفر منهم هم الأبناء لأنهم ألصق الناس بقلبه. وقدّم الفرار من الأم على الفرار من الأب لأن الأب أقدر على النفع والدفع من الأم، في الدنيا الأب هو الذي يدفع أما الأم يمكن أن تبكي وتصيح والأب هو الذي يدفع، هذا الأعرابي الذي بشر بمولودة فقالوا جاءتك مولودة فقال والله ما هي بنعِم الولد نصرُها بكاء وبِرُّها سرقة (تأخذ من مال زوجها وتعطي) . إذن الفرار رتب بهذا الترتيب، الفرار من أخيه لأنه أبعد المذكورين قد لا يلتقي به مدة طويلة ولو كانا في مكان واحد في مدينة واحدة وحتى مع الأم والأب هناك بيت شرعي وحده خارج عن امه وأبيه هو يومياً مع زوجه وبنيه لكن قد تمر أشهر دون أن يرى أمه وأبيه، فإذن يوم المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، الصاحبة هو يومياً يأوي إليها وبنيه لأنه قد يفارق الإنسان زوجته ولكن يبقى أولاده معه، الصاحبة هنا بمعنى الزوجة وأحياناً يصير خلاف على الأبناء، إذن البنين آخر من يفر منهم.
كل كلمة في اللغة لها دلالة وقد يكون لها أكثر من دلالة مثل المشترك اللفظي والأضداد لكن السياق هو الذي يحددها حتى المترادفات توضع في سياقها.
* (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) يجزي جاء بصيغة بالفعل وجازٍ بصيغة اسم الفعل فما دلالة اختلاف الصيغة؟