كالمتأثر، (ومتى لم يخضع المتأثر لقبول أثر المؤثر) لم يتولد منهما خير بوجه، وقال حكيم: المجادل المدافع يجعل فِي نفسه عند الخوض فِي الجدال أن لا يقنع بشيء ، ومن لا يقنعه إلا أن لا يقنع فما إلى إقناعه سبيل، ولو اتفق عليه الحكماء بكل بينة، بل لو اجتمع عليه الأنبياء بكل معجزة، كما قال تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله.
ما يجب أن يعامل به الجدل المماحك
إذا ابتليت بمجادل مهاوش ومساجل مناوش قصده اللجاج لا الحجاج ومراده مباهاة العلماء ومماراة السفهاء، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء"،
وقد قال الشاعر فِي مثله:
تراه معدا للخلاف كأنه ... يرد على أهل الصواب موكل
فحقك أن تفر منه فرارك من الأسود والأساود فإن لم تجد من مزاولته بدا فقابل
إنكاره الحق بإنكارك الباطل، ودفاعه الصدق بدفاعك الكذب معتبرا فِي ذلك قول الله تعالى: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون(50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم)
وقوله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين(54)
وقوله حكاية عن المنافقين: (قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون(14) الله يستهزئ بهم)
وقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)
وتتبلغ معه بذلك، وإياك وأن تعرج معه إلى بث الحكمة وأن تذكر له شيئا من الحقائق ما لم تتحقق أن له قلبا طاهرا لا تعافه الحكمة فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:"لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب"
وإن لكل تربة غرسا ولكل بناء أسا وما كل رأس تستحق التيجان، ولا كل طبيعة تستحق إفادة البيان.