وفي هذا إشارة إلى أصول الإيمان الموجبة للظفر بروضات الجنان، فبعد أن أبان الله تعالى أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل صالحا في قوله:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ أعلمنا أن الإيمان تنزيه بالجنان، وتوحيد باللسان، وأن العمل الصالح القيام بجميع الأركان، وكل ذلك تسبيح (تنزيه) وتحميد، يوصل إلى الحبور (السرور والتنعم) في رياض الجنان.
وقد تكرر في القرآن لفت النظر إلى الإضاءة والإظلام، وأن الله فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، كما قال: وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس 91/ 3 - 4] ، وقال: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [الليل 92/ 1 - 2] ، وقال: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى [الضحى 93/ 1 - 2] .
ثم ذكر الله تعالى بعض مظاهر قدرته وعظمته الموجبة للتنزيه والتحميد، فقال:
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ أي أن الله تعالى هو القادر على خلق الأشياء المتقابلة، فهو يخرج أولا الإنسان الحي من التراب الميت، ثم من النطفة، والطائر من البيضة، كما يفعل ضدّ هذا، فيخرج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، واليقظان من النائم، والنائم من اليقظان.
وأما كون النطفة كائنا حيّا فلا تعرفه العرب، ولم يكن التقدم العلمي واضح المعالم في هذا لديهم.
وهذا دليل على كمال القدرة الإلهية وبديع الصنع وعظمة الإله.
وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي والله تعالى يحيي الأرض بالمطر، فيخرج النبات من الحب، والحب من النبات، كما قال: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها، وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا، فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ، وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ [يس 36/ 23 - 24] ، وقال سبحانه:
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج 22/ 5] .