بعد بيان عظمة الله تعالى وقدرته في خلق السموات والأرض حين ابتداء العالم، وعظمته حين قيام الساعة (القيامة) حال انتهاء العالم، وافتراق الناس فريقين: فريق الجنة وفريق النار، أمر الله تعالى بتنزيهه عن كل سوء وعما لا يليق به، وبحمده على كل حال لأنه المتفرد بإحياء الميت وإماتة الحي، وإحياء الأرض بعد موتها، كإحياء الناس من قبورهم للبعث، وهذا في وقت الصباح يشبه حال انتقال الإنسان من النوم الذي هو الموتة الصغرى إلى اليقظة التي هي الحياة.
التفسير والبيان:
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ أي سبحوا الله تعالى ونزهوه وصلّوا له في جميع أوقات النهار والليل، حين ابتداء المساء، وحين طلوع الصباح. وهذا إرشاد من الله تعالى لعباده بتسبيحه وتحميده في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه عند المساء: وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح: وهو إسفار النهار بضيائه، وفي المساء صلاتا المغرب والعشاء، وفي وقت الصباح صلاة الفجر. وقدم الإمساء على الإصباح هنا لأن الليل يتقدم النهار.
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي والله تعالى هو المحمود من جميع أهل السموات والأرض من ملائكة وجن وإنس. وهذا اعتراض بحمده مناسب للتسبيح وهو التحميد.
وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ أي وسبحوه ونزهوه أيضا وقت العشي أو العشاء: وهو شدة الظلام، وفي وسط النهار وقت الظهيرة.
قال الماوردي: الفرق بين المساء والعشاء: أن المساء: بدوّ الظلام بعد المغيب، والعشاء: آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب.
ويلاحظ أن تخصيص هذه الأوقات بالتسبيح إنما هو بسبب وجود معالم الانتقال المحسوس من حال إلى حال، ومن زمن إلى زمن، يشمل جميع أجزاء اليوم، بدءا من الصبح أو النهار وقوة الضياء، إلى الظهر حين تتحول الشمس من جهة المشرق إلى المغرب، إلى العصر حين يبدأ أفول النهار وقدوم العشي، إلى المغرب بدء الظلام، إلى العشاء في شدة الظلام. والمعنى: نزهوا الله عن صفات النقص، وصفوه بصفات الكمال في جميع هذه الأوقات المتعاقبة لأن أفضل الأعمال أدومها.