وواضح أن شرحنا هذا لا يتناقض مع ما قررته الآيات العديدة من مكيّة ومدنيّة من وقوف فريق من أهل الكتاب غلّبوا المآرب والهوى على الحق والهدى وبخاصة اليهود في الحجاز من النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن موقف الجحود والمناوأة مما شرحنا أسبابه المؤيدة بالنصوص القرآنية في مناسبات سابقة ولا مع ما استجدّ فيما بعد من موقف العداء والحرب بين النبي صلى الله عليه وسلم والروم امتد إلى ما بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اعتدى عمال الروم على رسل النبي صلى الله عليه وسلم واعتدت القبائل العربية النصرانية على
قوافل المسلمين فأدّى هذا إلى ذاك. أي إن جهة الروم كانت هي البادئة في العدوان. وصار من حقّ المسلمين وواجبهم أن يدفعوا العدوان.
هذا، ولما كان القرآن يستهدف من الأخبار والقصص الموعظة والتدعيم والتطمين والتثبيت والإنذار والتبشير فقد اقتضت حكمة التنزيل أن تكون هذه الحادثة وسيلة إلى ذلك أيضا فاحتوت الآيات بشرى عامة بنصر الله ووعده بالنصر والفرح للمؤمنين وتوكيده بأنه لا يخلف وعده وتنديدا بالناس الذين يهتمون للأمور العابرة والشئون الظاهرة ويغترون بها ويغفلون عن المهم الخطير.
وننبّه على أن هناك قراءة بفتح الغين في غُلِبَتِ وضم الياء في سَيَغْلِبُونَ غير أن الأوجه قراءة الضمّ في الأولى والفتح في الثانية لأن من الثابت أن الروم غلبوا في ظروف البعثة ثم غلبوا.
[سورة الروم (30) : الآيات 8 إلى 10]