وقال الجوهري: ويقال: خلَفَ فلان فلانًا إذا كان خليفته، يقال: خلفه في قومه خلافة، ومنه قوله: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} [الأعراف: 142] ، قال: والخليفة السلطان الأعظم.
وقيل: إنَّ الله تعالى ذكر خمسة نفر بالخلافة: آدم في هذه الآية، وداود {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} [ص: 26] ، وهارون {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} ، وصلحاء هذه الأمة {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 55] ، وصلحاء الأمم {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} [النمل: 62] .
وفي معنى خلافة آدم قولان: أحدهما: أنه خليفة عن الله في إقامة شرعه، روي عن ابن مسعود وابن عباس.
والثاني: أنه خلفٌ عمَّن تقدَّمه في الأرض قبله، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا. والأوّل أظهر، لأن آدم كان بهذه المثابة.
قال أبو إسحاق الثعلبي: سأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - طلحة والزبير وسلمان الفارسي وكعب الأحبار، فقال: أخليفة أنا أو ملك؟ فقال طلحة والزبير: ما ندري، وقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرّعيّة، ويَقسِمُ بينهم بالسَّوية، ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله، ويقضي بينهم بكتاب الله. وفي رواية: إن جَبَيتَ من أرض المسلمين درهمًا ووضعته في غير حقِّه فأنت ملك ولست بخليفة، فبكى عمر، فقال كعب: ما كنت أحسب أنَّ في المجلس من يعرف الخليفةَ من الملك غيري، ولكن الله تعالى ألهم سلمان حكمًا وعلمًا.
قوله تعالى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30] الآية. فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه استفهام إنكار، وتقديره: كيف تفعل هذا وهو لا يليق بالحكمة؟ وروى يحيى بن أبي كثير عن أبيه قال: الذين قالوا هذا كانوا عشرة آلاف ملك، فأرسل الله عليهم نارًا فأحرقتهم.
فإن قيل: فهلَّا أحرق إبليس لما خالف؟ قلنا: لما سبق في الأزل من امتحان بني آدم وقوله: {إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} [الأعراف: 15] وقال قتادة: غضب الله عليهم فطافوا بالعرش سبع سنين يقولون: لبَّيك اللهم لبَّيك، اعتذارًا إليك، فتاب الله عليهم، فذلك بدء التلبية.
والثَّاني: أنَّه استفهام إيجابٍ، تقديره: ستجعل، كقول جرير:
ألستم خيرَ من ركِب المطايا
أي أنتم، قال: أبو عبيدة.
والثالث: أنه استفهام استعلام.
ثم في مرادهم بذلك أقوال:
أحدها: أنَّهم استفهموا وجه الحكمة، فكأنهم قالوا: كيف يعصونك وقد