{قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} هذا تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها ، واستعلام عن الحكمة فِي ذلك . أي: كيف تستخلف هؤلاء ، مع أن منهم من يفسد فِي الأرض ويسفك الدماء ؟ فإن كان المراد عبادتك ، فنحن نسبح بحمدك ، ونقدس لك أي: ولا يصدر عنّا شيء من ذلك وهلاّ وقع الاقتصار علينا ؟ فقال تعالى مجيباً لهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} أي: إن لي حكمة فِي خلق الخليفة لا تعلمونها .
فإن قلت: من أين عرف الملائكة ذلك حتى تعجبوا منه ، وإنما هو غيب ؟ أجيب: بأنهم عرفوه: إما بعلمٍ خاص ، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية ؛ فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف: {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ، ما يقع بينهم من المظالم ، ويردَعُهُم عن المحارم والمآثم .
قال العلامة برهان الدين البقاعي فِي تفسيره: وما يقال من أنه كان قبل آدم ، عليه السلام ، فِي الأرض خلق يعصون ، قاس عليهم الملائكة حال آدم عليه السلام كلامٌ لا أصل له . بل آدم أول ساكنيها بنفسه . انتهى .
وقوله تعالى: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} أي: ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك ، ملتبسين بحمدك على ما أنعمت به علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقنا لهذه العبادة .
وقوله: {نُقَدِّسُ لَكَ} أي: نصفك بما يليق بك من العلوّ والعزّة وننزّهك عمّا لا يليق بك . وقيل: المعنى نُطَهّر نفوسنا عن الذنوب لأجلك ، كأنهم قابلوا الفساد الذي أعظمه الإشراك بالتسبيح . وسفك الدماء الذي هو تلويث النفس بأقبح الجرائم ، بتطهير النفس عن الآثام . لا تمدحاً بذلك ، ولا إظهاراً للمنة ، بل بيانا للواقع
تنبيهات
في وجوه فوائد من الآية