اما هيئات جملة (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فاعلم! أن استيناف (قالوا) إشارة إلى أن توجيه خطابه تعالى إلى الملائكة يلجئ السامع إلى السؤال بـ"كيف يتلقّون جيرانهم بيتَ بيتَ وأيرضون بهم قرناء وما رأيهم فيهم؟"فقال:"قالوا". وأن وجه كونه جزاء لـ"اذ"هو: أن حكم الله تعالى بجعل البشر خليفة فِي الأرض - التي وكّل عليها الملائكة - مع انه لا مشير له تعالى ولا وزير يستلزم اظهار كيفية تلقيهم لهم. وأن صورة القول إشارة إلى أسلوب المقاولة على صورة المشاورة لتعليم الناس مع تنزهه تعالى عنها. وأن استفهام (أتجعل) فلتحقق الجعل باخباره تعالى تمتنع حقيقتُه فيتولد منه التعجب الناشئ عن خفاء السبب فيتولد منه الاستفسار - أي ما حكمة الجعل؟ فاستفهم عن المسبب بدلا عن السبب وليس للإِنكار لعصمتهم 1. وأن الجعل رمز إلى أن شؤون البشر ونسبه الاعتبارية ووضعياته ليست من لوازم الطبيعة ولا من ضروريات الفطرة بل كل منها بجعل الجاعل. وأن (فيها) مع"فيها"مع قصر المسافة فللتنصيص والايماء إلى معنى: ما حكمة جعل البشر روحا منفوخا فِي جسد الأرض لحياتها مع وجود الفساد والاماتة من حيث الأحياء؟. وأن التعبير بـ (مَنْ) إشارة إلى انه لا يعنيهم شخصية البشر وإنما يثقل عليهم عصيان مخلوق لله تعالى. وأن ايراد (يفسد) بدل"يعصي"إشارة إلى أن العصيان ينجر إلى فساد نظام العالم. وأن صورة المضارع إشارة إلى ان
(1) ان القصد من استفهام الملائكة ليس اعتراضاً على الجعل، إذ تحقق باخباره تعالى، ولانهم لا يعصون الله ما أمرهم، وإنما هو استفسار عن حكمة الجعل، وذلك لخفاء السبب عنهم (ت: 232) .