والخلاصة: أن طول التمتع ليس بدافع شيئًا من عذاب الله سبحانه، وكأنهم لم يمتعوا بنعيم قط، كما قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46) } ، وقال: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} يُعَمرَ، وقال: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) } .
وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن البصري في الطواف بالكعبة وكان يتمنى لقاءه، فقال: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال: ميمون لقد وعظت فأبلغت.
وروي أن عمر بن عبد العزيز كان يقرأ هذه الآية كل صباح إذا جلس على سريره تذكرًا واتعاظًا. وقال يحيى بن معاذ: أشد الناس غفلة من اغتر بحياته الفانية، والتذ بموداته الواهية، وسكن إلى مألوفاته.
كان الرشيد حبس رجلًا، فقال الرجل للموكل عليه: قل لأمير المؤمنين كل يوم مضى من نعمتك ينقص من محنتي، والأمر قريب، والموعد الصراط، والحاكم الله، فخر الرشيد مغشيًا عليه، ثم أفاق وأمر بإطلاقه.
208 -ثم بين سبحانه أنه لا يهلك قرية إلا بعد الإنذار، وإقامة الحجة عليها،
فقال: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} ؛ أي: وما أهلكنا قرية من القرى المهلكة {إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} ؛ أي: إلا بعد إرسالنا إليهم رسلًا ينذرونهم بأسًا، ويخوفونهم عذابنا على كفرهم.
وقال الزمخشري:
فَإِنْ قُلْتَ: كيف تركت الواو من الجملة بعد {إِلَّا} هنا، ولم تترك منها في قوله: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) } ؟
قلتُ: الأصل ترك {الواو} ؛ لأن الجملة صفة لـ {قَرْيَةٍ} ، وما هنا فقد جاء على الأصل فلا اعتراض. وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف، كما في قوله: {سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} . اهـ"سمين".
قال في"كشف الأسرار": جمع منذرين؛ لأن المراد بهم النبي وأتباعه المظاهرون له.