{إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} : إن جعلنا مشركي مكة متمتعين منتفعين {سِنِينَ} كثيرة مع طيب العيش، ولم نهلكهم
206 - {ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) } من العذاب
207 - {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) } ؛ أي: لم يغن عنهم شيئًا، ولم ينفعهم تمتعهم المتطاول في رفع العذاب وتخفيفه. فـ {مَا} في {مَا أَغْنَى} : نافية، ومفعول {أَغْنَى} محذوف، وفاعله {مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} ؛ أو أي شيء أغنى عنهم كونهم ممتعين ذلك التمتيع المؤبد على أن {ما} في {ما} كانوا مصدرية، أو ما كانوا يمتعون به من متاع الحياة الدنيا على أنها موصولة حذف عائدها، فـ {مَا} في {مَا أَغْنَى} مفعول مقدم لـ {أَغْنَى} ، والاستفهام للنفي. {مَا كَانُوا} هو الفاعل. وهذا المعنى أولى من الأول؛ لكونه أوفق بصورة الإخبار، وأدل على انتفاء الإعناء على أبلغ وجه، وآكده كأن كل من شأنه الخطاب قد كلف بأن يخبر بأن تمتيعهم ما أفادهم، وأي شيء أغنى عنهم فلم يقدر أن يخبر بشيء من ذلك أصلًا. وقرئ {يُمَتَّعُونَ} اسكان الميم وتخفيف التاء، من أمتع الله زيدًا بكذا.
والمعنى: أي إن استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم، وأنهم ممتعون باعمار طوال في سلامة وأمن، فقال تعالى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} أشرًا وبطرًا واستهزاءً واتكالًا على الأمل الطويل.
ثم قال: هو أن الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طولى أعمارهم، وطيب معايشهم؛ أي: هل الأمر كما يعتقدون من عيشهم في النعيم، فأخبرني أن متعناهم في الدنيا برغد العيش، وصافي الحياة، ثم جاءهم بعد تلك السنين المتطاولة ما كانوا يوعدون به من العذاب، فهل ما كانوا فيه من النعيم يدفع عنهم شيئًا منه، أو يخففه عنهم.