يقول محمد بن سلام الجمحي: وفى الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير، لا خير فيه ولا حجة في عربيةٍ ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف. وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة ولا يروى عن صحفي.
وقد اختلف العلماء بعدُ في بعض الشعر كما اختلفت في سائر الأشياء فأما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج منه.
ويقول: فلما راجَعَتِ العَرَبُ رِوَايةَ الشِّعْرِ وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قومٌ قَلَّتِ وقائعُهم وأشعارُهم فأرادوا أن يَلْحَقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسنة شعرائهم، ثم كانت الرواة بعد فزادوا في الأشعار التي قيلت. وليس يُشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون.
وقال: وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية، وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار.
وسبب ذلك ما يقول الأستاذ محمود محمد شاكر: الشعر الجاهلي المحض له مشكلة قائمة برأسها، يشركه في بعضها الشعر في صدر الإسلام. وكلاهما يعتمد اعتمادًا يكاد يكون تامًّا على الرواية المتسلسلة في بوادي الجاهلية وحواضرها، ثم في بوادي الإسلام وحواضره إلى أن يصل إلى عهد رواية العلماء، وتقييد ما يَرْوُونَه كتابة في بعض الأحيان أو إملاءً على أصحابهم وتلاميذهم أحيانًا أخرى. وهذه الفترة واقعة ما بين سنة 150 قبل الهجرة تقريبا إلى نحو سنة ثمانين بعد الهجرة. وهذه فترة طويلة جدا، مئتان وثلاثون سنة أو تزيد تُعَرِّضُ الرواية المتنقلة عن طريق السماع والحفظ، لعيوب لا يمكن اتقاؤها.
وثمة عوامل خلال هذه السنين تُعَرِّض هذا المنقول للنسيان أو الزيادة والنقصان أو التحريف والتبديل.