فكفار قريش الذين عجزوا كانوا أعلم الناس بأشعار العرب وأحفظهم له، وأعرفهم بمداخله ومخارجه، وقد كانوا مع ذلك أحرص الناس على بيان كذب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه ما هو إلا ساحر أو كاهن أو شاعر، والله تعالى ردَّ عليهم بقوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) } [الحاقة: 41] ، وقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) } [يس: 69, 70] ، فلم يستطيعوا تكذيب كلام الله تعالى، ولم يقدروا على أن يأتوا بدليل على كلامهم من كونه شاعرا إلا التهويش والتكذيب، ثم لو كان اقتبس في القرآن من ذلك الشعر المنسوب لامرئ القيس، لكان كفار قريش - وهم الحفاظ لشعره - أولَ من يستعين بذلك في رد كلام الله تعالى.
بل ولم يستطيعوا أن يخفوا أو ينكروا إعجاز القرآن وبلاغته وقوته، كما سيأتي بعد قليل. وإن من أعجب العجب أن يخرج علينا الأعجمي الذي لم يرضع اللسان العربي والذي لا يطيق الإبانة عن نفسه بلسان عربي، فيُخَطِّئُ - ما عجزت عنه العرب قاطبة - أحْكَمَ القَولِ وأبلغَهُ، يخطِّئُ الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، بلسان عربي مبين.
إن هؤلاء الأعاجم الأغتام أخذوا يفتعلون الأسباب لتنقص القرآن وإلحاق المعابة به، أنه لم يكن سابقًا في بلاغته؛ بل اعتمد على بلاغة مَن سبقه من الشعراء والفصحاء كامرئ القيس وغيره، وأرادوا بذلك نفي أنه كلام الله وأنه صنع بشري يستعين بمَن سبق.