وذلك أن القرآن دعا إلى المباهلة، وهي مفاعلة من الابتهال والضراعة إلى الله بحرارة واجتهاد فأبى المدعوون وهم النصارى من أهل نجران أن يستجيبوا لها، وخافوها ولاذوا بالفرار منها مع أنها لا تكلفهم شيئًا سوى أن يأتوا بأبنائهم ونسائهم ويأتي الرسول بأبنائه ونسائه ثم يجتمع الجميع في مكان واحد يبتهلون إلى الله، ويضرعون إليه بإخلاص وقوة أن ينزل لعنته وغضبه على من كان كاذبا من الفريقين، قال سبحانه في سورة آل عمران: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، ونقول: أليس هذا دليلًا ماديًا على أن القرآن كلام القادر على إنزال اللعنة، وإهلاك الكاذب، ثم أليس قبول محمد - صلى الله عليه وسلم - لهذه المباهلة مع امتناع أعدائه دليلًا على أن صدقه في نبوته كان أمرًا معروفًا مقررًا حتى في نفوس مخالفيه من أهل الكتاب.
الوجه الحادي عشر: توقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحيانًا في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان.
لقد كان يجيئه الأمر أحيانًا بالقول المجمل، أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو ولا أصحابه تأويله، حتى ينزل الله عليهم بيانه بعد. قل لي بربك: أي عاقل توحي إليه نفسه كلامًا لا يفهم هو معناه، وتأمره أمرًا لا يعقل هو حكمته؟.
أليس ذلك من الأدلة الواضحة على أنه ناقل لا قائل، وأنه مأمور لا آمر؟.
وإليك مثال على ذلك: مسلكه في قضية الحديبية: