الذي نعرفه أن كثيرًا من الأدباء يسطون على آثار غيرهم، فيسرقونها أو يسرقون منها ما خف حمله، وغلت قيمته وأمنت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى، ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأبواب المستعارة؛ أمَّا أن أحدًا ينسب لغيره أنفس آثار عقله، وأغلى ما تجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد.
الوجه الخامس: موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - من النص القرآني موقف المفسر الذي يتلمس الدلالات، ويأخذ بأرفق احتمالاتها.
وأنت لو نظرت في هذه الذنوب التي وقع العتاب عليها، لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ترجح بين أمرين ولم يجد فيهما إثمًا، اختار أقربهما إلى رحمة أهله وهداية قومه وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشُبه في دين الله. لم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحًا، أو جاوزه خطأ ونسيانًا، بل كل ذنبه أنه مجتهد بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مخيرًا فتخير. هَبْهُ مجتهدًا أخطأ باختيار خلاف الأفضل، أليس معذورًا ومأجورًا؟
على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمة بشرية، وإنها نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية، هل ترى في ذلك ذنبًا يستوجب عند العقل هذا التأنيب والتثريب؟ أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية، وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟.
توفي عبد الله بن أُبَيْ كبير المنافقين، فكفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثوبه، وأراد أن يستغفر له ويصلي عليه، فقال عمر - رضي الله عنه: أتصلي عليه وقد نهاك ربك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: إنما خيَّرني ربي فقال:
{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80] وسأزيدُه على السبعين، وصلَّى عليه، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] فترك الصلاة عليهم.