وتأمل آية الأنفال المذكورة، تجد فيها ظاهرة عجيبة؛ فإنها لم تنزل إلا بعد إطلاق أسارى بدر وقبول الفداء منهم، وقد بُدئت بالعتاب على هذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمت بإقرارها، وتطييب النفوس بها، بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها. فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول الكلام - لو كان عن النفس مصدره - يمكن أن يصدر عنها آخره، ولما تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب والندم وبين ابتسامة الرضا والاستحسان؟ كلا، وإنَّ هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين، لكان الثاني منهما إضرابًا عن الأول ماحيًا له، ولرجع آخر الفكر وفقًا لما جرى به العمل.
فأي داعٍ دعا إلى تصوير ذلك الخاطر الممحو وتسجيله، على ما فيه من تقريعٍ علني بغير حق، وتنغيصٍ لهذه الطعمة - المكسب - التي يراد جعلها حلالًا طيبًا؟ إنَّ الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن ها هنا البتة شخصيتين منفصلتين، وأن هذا صوت
سيد يقول لعبده: لقد أسأتَ ولكني عفوت عنك وأذنت لك.
الوجه الرابع: تبرؤ محمد - صلى الله عليه وسلم - من نسبة القرآن إليه ليس ادعاءً يحتاج بينة، بل هو إقرار يؤخذ به صاحبه.
في الحقيقة إن هذه القضية لو وجدت قاضيًا يقضي بالعدل، لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس (الدعاوى) فتحتاج إلى بينة، وإنما هي من نوع (الإقرار) الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق ولا عدو في قبوله منه، أي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، نقول أي مصلحة له في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخًا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدًا يعارضه ويزعمها لنفسه.