اقرأ هذه القصة الثابتة برواية الصحيحين، وانظر ماذا ترى؟ إنها لتمثل لك نفس هذا العبد الخاضع، وقد اتخذ من القرآن دستورًا يستملي أحكامه من نصوصه الحرفية، وتمثل لك قلب هذا البشر الرحيم وقد آنس من ظاهر النص الأول تخييرًا له بين طريقين، فسرعان ما سلك أقربهما إلى الكرم والرحمة، ولم يلجأ إلى الطريق الآخر إلا بعد ما جاءه النص الصريح بالمنع، وهكذا كلما درست مواقف الرسول من القرآن في هذه المواطن أو غيرها، تجلى لك فيه معنى العبودية الخاضعة، ومعنى البشرية الرحيمة الرقيقة، وتجلى لك في مقابل ذلك من جانب القرآن معنى القوة التي لا تتحكم فيها البواعث والأغراض، بل تصدع بالبيان فرقانًا بين الحق والباطل، وميزانًا للخبيث والطيب، أحب الناس أم كرهوا، رضوا أم سخطوا، آمنوا أم كفروا، إذ لا تزيدها طاعة الطائعين، ولا تنقصها معصية العاصين، فترى بين المقامين ما بينهما، وشتان ما بين سيد ومسود، وعابد ومعبود.
الوجه السادس: ما نزل بعد طول انتظار.
ومعنى هذا أن في القرآن آيات كثيرة تناولت مهمات الأمور، ومع ذلك لم تنزل إلا بعد تلبث وطول انتظار؛ فدلَّ هذا على أن القرآن كلام الله لا كلام محمد؛ لأنه لو كان كلام
محمد ما كان معنًى لهذا الانتظار، فإن الانتظار في ذاته شاق وتعلقه بمهمات الأمور يجعله أشق خصوصًا على رجل عظيم يتحدى قومه بل تحدى العالم كله.
ولبيان هذا الوجه نمثل بأمثلة:
أولها: تحويل القبلة:
لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرق شوقًا إلى تحويل القبلة إلى الكعبة، وظل يقلب وجهه في السماء ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، لعل الوحي ينزل عليه بتحويل القبلة إلى البيت الحرام، ولكن رب القرآن لم ينزل في هذا التحويل قرآنًا، على الرغم من تلهف رسوله الكريم إليه إلا بعد قرابة عام ونصف العام.