فهذه أمصار ثلاثة اجتمعت على هذه القراءة الحرمان مكة والمدينة والشام ، وأما كون هذه المادّة مفقودة في لسان العرب ، فإن صح ذلك كانت الكلمة عجمية ، ومواد كلام العجم مخالفة في كثير مواد كلام العرب ، فيكون قد اجتمع على منع صرفها العلمية والعجمة والتأنيث.
وتقدم مدلول الأيكة في الحجر ، وكان شعيب عليه السلام من أهل مدين ، فلذلك جاء: {وإلى مدين أخاهم شعيباً} ولم يكن من أهل الأيكة ، فلذلك قال هنا: {إذ قال لهم شعيب} .
ومن غريب النقل ما روي عن ابن عباس ، أن {أصحاب الأيكة} هم أصحاب مدين ، وعن غيره ، أن {أصحاب الأيكة} هم أهل البادية ، وأصحاب مدين هم الحاضرة.
وروي في الحديث:"أن شعيباً أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة ، أمرهم بإيفاء الكيل ، وهو الواجب ، ونهاهم عن الإخسار ، وهو التطفيف ، ولم يذكر الزيادة على الواجب ، لأن النفوس قد تشح بذلك فمن فعله فقد أحسن ، ومن تركه فلا حرج"
وتقدم تفسير القسطاس في سورة الإسراء.
وقال الزمخشري: إن كان من القسط ، وهو العدل ، وجعلت العين مكررة ، فوزنه فعلاء ، وإلا فهو رباعي. انتهى.
ولو تكرر ما يماثل العين في النطق ، لم يكن عند البصريين إلا رباعياً.
وقال ابن عطية: هو مبالغة من القسط. انتهى.
والظاهر أن قوله: {وزنوا} ، هو أمر بالوزن ، إذ عادل قوله: {أوفوا الكيل} ، فشمل ما يكال وما يوزن مما هو معتاد فيه ذلك.
وقال ابن عباس ومجاهد: معناه عدلوا أموركم كلها بميزان العدل الذي جعله الله لعباده.
{ولا تبخسوا الناس أشياءهم} : الجملة والتي تليها تقدم الكلام عليهما.
ولما تقدم أمره عليه السلام إياهم بتقوى الله ، أمرهم ثانياً بتقوى من أوجدهم وأوجد من قبلهم ، تنبيهاً على أن من أوجدهم قادر على أن يعذبهم ويهلكهم.
وعطف عليهم {والجبلة} إيذاناً بذلك ، فكأنه قيل: يصيركم إلى ما صار إليه أولوكم ، فاتقوا الله الذي تصيرون إليه.