فأورد الرد عليهم بالاستفهام على جهة الإنكار متعجبا من حالهم حيث جعلوا ما لا يكون، حجة وبرهانا، وليس حجة، بل هو شبهة منكرة، وأخرجه عن أن يكون حجة، كأنه قال أفلا ترون ما جعلتموه مستندا لعبادتكم أنتم ومن سلف من آبائكم القدماء، هل مثله يعبد مع كونه لا يسمع ولا ينفع ولا يضر ولا يملك شيئا، وفيه تعريض بحالهم وتجهيل لهم وأن من هذه حاله من عبادة حجر لا يضر ولا ينفع فلا عقل له، ولا يكون معدودا من العقلاء.
التخلص الرابع
هو أنه لما ذكر أنهم لا يستحقون العبادة خرج إلى ذكر عداوته لمن هذه حاله، فلهذا قال عقيب ذلك (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ)
كأنه صور المسئلة في نفسه على معنى إنى فكرت في أمري ونظرت في حالى، فرأيت أن عبادتى لها عبادة للشيطان العدو فاجتنبتها، وإنما قال: «فإنهم عدوّ لي» بالإضافة إلى نفسه ولم يقل فإنهم عدو لهم، ليريهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث إلى الاستماع لخطابه، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يفد هذه الفائدة، وكان القياس في الخطاب بالضمير أن يقول: فإنها عدو لي، أو فإنهن، لأنه راجع إلى الأصنام، والضمير في من لا يعلم أن يكون على هذه الصورة، ولكنه أورده على ضمير العقلاء لأمرين، أما أولا فلأنهم لما زعموا أنها تستحق العبادة، وأنها يوجد من جهتها النفع، ودفع الضر، صارت لذلك بمنزلة العقلاء، وأما ثانيا فلأنهم لما كانوا في الإنكار على سواء، وجه الخطاب إليهم على جهة تغليب حالهم على حالها.
التخلص الخامس
هو أنه لما ذكر أنها غير مستحقة للعبادة وذكر العداوة لها خرج إلى ذكر الله تعالى فأجرى عليه تلك الصفات اللائقة بذاته من إعظام حاله، وإظهار جلاله، وتفخيم شأنه، وتعديد نعمه من لدن إنشائه، وإبداع ذاته إلى حين مرضه، ودنو وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من عفوه ورحمته، ليعلم أن كل من هذه حاله فهو حقيق بالعبادة واجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته، وفيه تعريض بحال ما يعبد من دونه في الاتصاف بنقائض هذه الصفات كما ترى.
التخلص السادس