فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 326828 من 466147

ثم جاءت الذكرى بعد مصارع المنذرين. فالرسل تذكر بما سبق لها من بيان وتبيين، وإبلاغ وتحذير. فالإنذار وهو مقدمة الهلاك، شاءت رحمته ألا يهلك قرية حتى يبعث فيها رسولا. فالرسل ذكرى تنبه الغافلين وتوقظ النائمين، وما كنا ظالمين حين نوقع العذاب ونهلكهم أجمعين، لأنهم انحرفوا عن الفطرة، أُنذروا .... فأنى يبصرون! فما جاءت اللام مع النِّذراة إلا كالمنبهة على هذا المعنى الشريف (النصح) لتحصيله والإبانة عنه وتصويره. قال تعالى: (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ) أي أعذرت إليكم في النصيحة والتحذير.

فكما أن النذارة تخويف وتحذير، كذلك النصيحة هنا إبلاغ وتبيين ومن ورائه التحذير الذي لا وَعْيَ عنه. فالمضمّن فيه أخذ معنى من معاني صاحبه المضمّن. والفضل في تصوير معنى البيان في الإنذار وتأليقه كان لهذه اللام حين أمست مشتقا لا يألفها ولا يأنس بها، ولولا تعديه بها لبقي ما انطوى عليه من النصح دفينا واستولى الخفاء على جملته.

(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ(221)

ذكر أبو حيان: أن الجملة الاستفهامية في موضع نصب لـ (أُنَبِّئُكُمْ) ، لأنه معلق بمعنى: أعلمكم، سدت مسد المفعول الثاني والثالث. الأصل في نبأ وأنبأ أن يتعديا إلى واحد بأنفسهما وإلى ثان بحرف الجر، ويجوز حذفه فنقول: نبأت به ونبأنيه، فإذا ضمنت معنى (أعلم) تعدت إلى ثلاثة مفاعيل.

ومجمل القول: يختص التضمين عن غيره من المعديات بأنه قد ينقل الفعل إلى أكثر من درجة. عُدي أخبر وخبَّر وحدَّث ونبَّأ إلى ثلاثة، لما ضمن معنى أعلم وأرى، بعدما كان متعديا إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بالجار نحو (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) .

أقول: تضمن (نبَّأ) معنى (أعلم) . إنما جيء به لغرض: لقد كان في العرب كهان يتنبؤون، يزعمون أن الجن تخبرهم، وفي الناس من يركن إلى نبوءاتهم ويصدقهم، يقولون عن القرآن شعر وأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - شاعر، يحارون في وصف ما أنزل وقد هز مشاعرهم وغلب على قلوبهم فلم يروا له نظيرا. فاللَّه ينبئهم بما أرابهم فيه كهنتهم، بل يعلمهم حقيقة هذا الدين وأنه يدعو إلى عقيدة ذات منهج، فلا يعيش على رؤى ولا يسير وراء أوهام، ولا يقنع بأحلام، ولا يتبع الهوى.

فالغرض من التضمين هو توثيق النبأ، فما كل نبأ صحيح أما العلم فلا يكون إلا عن يقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت