قلتُ: لاطفهم أولًا بقوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} ، فلما رأى عنادهم وشدة شكيمتهم خاشنهم وأغلظ عليهم في الرد، وعارضهم بمثل مقالهم بقوله: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} ؛ لأنه أوفق بما قبله من رد نسبة الجنون إليه في قول فرعون: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} .
{قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) }
وعبارة شيخ الإِسلام هنا:
فإن قلت: لم عدل إلى هذه العبارة عن قوله: لأسجنك، مع أنه أخصر منه؟
قلتُ: عدل إليه لإرادة تعريف العهد؛ أي: لأجعلنك ممن عرفت حالهم في سجني، وكان إذا سجن إنسانًا طرحه في هوة عميقة مظلمة، لا يبصر فيها ولا يسمع، انتهى.
{قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) }
فإن قلت: أسند القول هنا إلى فرعون حيث قال: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ} وأسند في سورة الأعراف إلى الملأ حيث قال: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ} فبين الآيتين معارضة، فما وجه الجمع بينهما؟
قلتُ: وجه الجمع بينهما أن فرعون قاله للحاضرين عنده، والحاضرون قالوه للغائبين عنه، فنظر هنا إلى قوله للحاضرين، وهناك إلى قول الحاضرين للغائبين، فبهذا يزول الإشكال. كما في"كشف الأسرار".
{قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) }
أي: ما أنتم تريدون إلقاءه، لم يرد به أمرهم بالسحر والتمويه؛ لأن ذلك غير جائز، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلًا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل، قال في"كشف الأسرار": ظاهر الكلام أمر، ومعناه التهاون في الأمر، وترك المبالاة بهم وبأفعالهم، وتهديد لهم. وعبارة"الكرخي":
هذا جواب سؤال صورته: كيف يجوز على النبي المعصوم الأمر بالكفر؟
وحاصل الجواب: أن صيغة الأمر ليست على حقيقتها، بل هي مجاز عن الإذن،
فإن قيل: الإذن يستلزم الرضا فيعود الإشكال؟
فالجواب: أن الممتنع هو الرضا في حال كونه مستحسنًا، ولا يلزم ذلك هنا، بل اللازم هو الرضا به للتوسل إلى إبطاله، وهذا عين استقباحه، فليس فيه محظور، اهـ.