فَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) فَالْمُرَادُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَأَنَا ذَاهِلٌ عَنْ كَوْنِهِ مُهْلِكًا وَكَانَ مِنِّي فِي حُكْمِ السَّهْوِ، فَلَمْ أَسْتَحِقَّ التَّخْوِيفَ الَّذِي يُوجِبُ الْفِرَارَ وَمَعَ ذَلِكَ فَرَرْتُ مِنْكُمْ عِنْدَ قَوْلِكُمْ: (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) [الْقَصَصِ: 20] فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا نِعْمَةَ لَهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ تِلْكَ الْفِعْلَةِ، بَلْ بِأَنْ يَكُونَ مُسِيئًا فِيهِ أَقْرَبُ مِنْ حَيْثُ خُوِّفَ تَخْوِيفًا أَوْجَبَ الْفِرَارَ، ثُمَّ بَيَّنَ نِعْمَةَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْفِرَارِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ أَسَأْتُمْ وَأَحْسَنَ اللَّه إِلَيَّ بِأَنْ وَهَبَ لِي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
* قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» إِنَّمَا جمع الضمير في (مِنْكُمْ) و (خِفْتُكُمْ) مع إفراده في (تَمُنُّها) وعَبَّدْتَ لِأَنَّ الْخَوْفَ وَالْفِرَارَ لَمْ يَكُونَا مِنْهُ وَحْدَهُ ولكن منه ومن ملئه الْمُؤْتَمِرِينَ بِقَتْلِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) [القصص: 20] وَأَمَّا الِامْتِنَانُ فَمِنْهُ وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ التَّعْبِيدُ.
(وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ)
جَوَابُ قَوْلِهِ: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا) [الشعراء: 18] ويقال عَبَّدْتُ الرَّجُلَ وَأَعْبَدْتُهُ إِذَا اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ جَوَابَهُ وَلَا تَعَلُّقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؟
قُلْنَا بَيَانُ التَّعَلُّقِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي يَدِهِ وَفِي تَرْبِيَتِهِ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَعْبِيدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَذَبْحَ أَبْنَائِهِمْ، فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ كُنْتُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ تَرْبِيَتِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْكَ ذَلِكَ الظُّلْمُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَسْلَافِنَا
وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذَا الْإِنْعَامَ الْمُتَأَخِّرَ صَارَ مُعَارَضًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ الْعَظِيمِ عَلَى أَسْلَافِنَا وَإِذَا تَعَارَضَا تَسَاقَطَا