وليتهم يسمرون عند البيت بالخير إنما بهُجر ، والهُجْر هو فُحْش الكلام في محمد صلى الله عليه وسلم وفي القرآن .
فأمر هؤلاء عجيب: كيف يفعلون هذا وهم في رحاب بيت الله الذي جعل لهم السيادة والمنزلة؟ كيف يخوضون في رسول الله الذي جاء ليطهر هذا البيت من الأصنام ورجسها؟ إنه سوء أدب مع الله ، ومع رسوله ، ومع القرآن ، يصدق فيه قول الشاعر:
أُعلِّمهُ الرمايةَ كُلَّ يوْمٍ ... فَلَمّا اشْتَدَّ سَاعِدُه رَمَانِي
وكَمْ علِّمتُه نَظْمَ القَوافِي ... فَلَمَّا قَالَ قَافِية هَجَانِي
لقد استكبر هؤلاء على الأمة كلها بالبيت ، ومع ذلك ما حفظوا حُرْمته ، وجعلوه مكاناً للسَّمَر وللهُجْر وللسَّفَه وللطيْش ، ولكل مَا لا يليق به ، فالقرآن عندهم أساطير الأولين ، ومحمد عندهم ساحر وكاهن وَشاعر ومجنون . . وهكذا .
والحق - سبحانه وتعالى - يُنبِّهكم إلى أن ضروريات حياتكم هِبةٌ منه سبحانه وتفضُّل ، فحينما جاءكم أبرهة ليهدم هذا البيت العتيق ، وينقل هذه العظمة وهذه القداسة إلى الحبشة ، ولم يكن لكم طاقة لردِّه ولا قدرةَ على حماية البيت ، فلو هدمه لضاعتْ هيبتكم وسيادتكم بين القبائل ، ولتجرأوا عليكم كما تجرأوا على غيركم ، لكن حمى الله بيته ، ودافع عن حرماته ، حتى إن الفيل نفسه وعى هذا الدرس ، ووقف مكانه لا يتحرك نحو البيت خاصة ، ويوجهونه في أي ناحية أخرى فيسير .
ويُرْوَى أن أحدهم قال للفيل يخاطبه: ابْرك محمود وارجع راشداً - يعني: انفد بجلدك ؛ لأنك في بلد الله الحرام ، وكما قال الشاعر:
حُبِسَ الفِيلُ بالمغَمَّس حَتَّى ... صَارَ يحبُو كَأنَّهُ مَعْقُورُ
وهكذا ردّهم الله مقهورين مدحورين ، وحفظ لكم البيت ، وأبقى لكم السيادة .