لذلك الخالق - عز وجل - حينما خلق هذه البِنْية الإنسانية جعل لها نظاماً فريداً في وقودها وغذائها على خلاف صَنْعة البشر ، فلو منعتَ البنزين مثلاً عن السيارة توقفتْ ، أمّا صنعة الخالق - عز وجل - فالجسم يأخذ حاجته من الطعام والماء ، ثم يختزن الباقي لوقت الحاجة ، وقد علم الحق سبحانه شهوتك وحبك للطعام وللشراب ، وأخذْك منهما فوق حاجتك ، فإنْ غاب عنك الطعام تغذَّى جسمك من هذا المخزن الرباني .
لذلك نرى البعض حين يتأخر عنه الطعام يقول: نفس انصدت عن الأكل ، والحقيقة أنه أكل فعلاً ، وتغذى من مخزون الطعام والشراب في جسمه .
ومن حكمة الله أن الطعام الفائض يُختزن في صورة واحدة هي الشحم ، الذي يتحول تلقائياً إلى أيِّ عنصر آخر يحتاجه الجسم ، فإذا انتهى الشحم تغذّى الجسم على اللحم والعضلات ، ثم على العظام ، وهي آخر مخزن للقوت في جسم الإنسان ؛ لذلك جاء في قصة زكريا عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي واشتعل الرأس شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} [مريم: 4] .
أما الهواء فليس له مخزن إلا بقدْر ما تتسع له الرئة ، فإذا نفد منها الهواء بشهيق وزفير فلا حيلة فيه ، ومن رحمة الله بعباده ألاّ يُملِّك الهواء لأحد ، فقد يملك الطعام وربما يملك الماء ، أمّا الهواء الذي يحتاجه في كل نفَس ، فقد جعله الله مِلْكاً للجميع ، حتى لا يمنعه أحد عن أحد ؛ لأنك لا تستطيع أن تحتال له كما تحتال للطعام وللشراب ، ولو غضب عليك مالك الهواء لمتّ قبل أنْ يرضى عنك .
ونلحظ هنا أن الغمرة لا تحتويهم هم ، إنما تحتوي القلوب: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ . .} [المؤمنون: 63] وهذه بلوى أعظم ؛ لأن القلب محلٌّ لحصيلة المدركات التي يأخذها العقل ، ويُميِّز بينها ويختار منها ويُرجّح ، ثم تتحول هذه المدركات إلى عقائد تستقر في القلب وعلى هَدْيها تسير في حركة الحياة .