والرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده، وخوفه ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وذلك يتضمن عبادته، والإخلاص له.
فالأول يتضمن رضا العبد بما يقدر عليه، والثاني يتضمن رضاه بما يؤمر به.
وأما الرضا بنبيه رسولاً فيتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه.
فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره البتة.
وأما الرضا بدينه، فإذا قال سبحانه أو حكم، أو أمر أو نهى، رضي كل الرضا، ولم يبق بقلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليماً ولو كان مخالفاً لمراد نفسه أو هواها كما قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } [النساء: 65] .
والرضا آخر التوكل، فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم والتفويض، حصل له الرضا ولا بدّ.
ورضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده، رضاً قبله أوجب له أن يرضى عنه، ورضاً بعده هو ثمرة رضاه عنه.
والرضا يفتح للعبد باب السلامة، فيجعل قلبه سليماً نقياً من الغش والدغل والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم.
والرضا عن الرب عزَّ وجلَّ في جميع الحالات يثبت الأقدام في مقام العبودية، والسخط يوجب التلون، ويفتح عليه باب الشك في الله وفي قضائه وقدره وحكمته وعلمه.
والرضا بالقضاء يوجب له السعادة، والتسخط على القضاء من أسباب الشقاوة.
والرضا يوجب للعبد أن لا ييأس على ما فاته، ولا يفرح بما أتاه، وذلك أفضل
الإيمان.
والرضا بالقدر يفرغ القلب لله، والسخط يفرغ القلب من الله، ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر ملأ صدره غنىً وأمناً وقناعة، وفرغ قلبه لمحبته.
والرضا يثمر الشكر الذي هو أعلى مقامات الإيمان، وينفي عنه آفات الحرص على الدنيا.
والرضا يخرج الهوى من قلب المؤمن، فالراضي هواه تبع لمراد ربه منه مما يحبه الله ويرضاه.
والرضا عن الله يثمر للعبد رضا الله عنه، والراضي متلق أوامر ربه الدينية والقدرية بالانشراح والتسليم.