وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ بِالْكَسْرِ: {وَإِنَّ} هَذِهِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَالْكَسْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي عَلَى الِابْتِدَاءِ هُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّ الْخَبَرَ مِنَ اللَّهِ عَنْ قَيْلِهِ لِعِيسَى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ} مُبْتَدَأٌ، فَقَوْلُهُ: {وَإِنَّ هَذِهِ} مَرْدُودٌ عَلَيْهِ عَطْفًا بِهِ عَلَيْهِ؛ فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَقُلْنَا لِعِيسَى: يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَقُلْنَا: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً.
وَقِيلَ: إِنَّ الْأُمَّةَ الَّذِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الدِّينُ وَالْمِلَّةُ.
وَقَوْلُهُ: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونَ}
يَقُولُ: وَأَنَا مَوْلَاكُمْ فَاتَّقُونِ بِطَاعَتِي تَأْمَنُوا عِقَابِي.
وَنُصِبَتْ {أُمَّةً وَاحِدَةً} عَلَى الْحَالِ.
وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ رَفْعًا.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: رَفْعُ ذَلِكَ إِذَا رُفِعَ عَلَى الْخَبَرِ، وَيَجْعَلُ أُمَّتَكُمْ نَصْبًا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ هَذِهِ.
وَأَمَّا نَحْوُيِّوُ الْكُوفَةِ فَيَأْبَوْنَ ذَلِكَ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ، وَقَالُوا: لَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِهَذَا غُلَامِكُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تَتْبَعُهُ إِلَّا الْأَلْفُ وَاللَّامُ وَالْأَجْنَاسُ، لِأَنَّ (هَذَا) إِشَارَةٌ إِلَى عَدَدٍ، فَالْحَاجَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَبْيِينِ الْمُرَادِ مِنَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَيُّ الْأَجْنَاسِ هُوَ؟ وَقَالُوا: وَإِذَا قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكُمْ وَاحِدَةً، وَالْأُمَّةُ غَائِبَةٌ وَهَذِهِ حَاضِرَةٌ، قَالُوا: فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُبَيَّنَ عَنِ الْحَاضِرِ بِالْغَائِبِ، قَالُوا: فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ: إِنَّ هَذَا زَيْدٌ قَائِمٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ هَذَا مُحْتَاجٌ إِلَى الْجِنْسِ لَا إِلَى الْمَعْرِفَةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) }
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {زُبُرًا} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ: { (زُبُرًا) } بِمَعْنَى جَمْعِ الزَّبُورِ.