يَعْنِي: إِلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى مَا حَوْلَهُ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلرَّجُلِ يَكُونُ فِي رِفْعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَعِزٍّ وَشَرَفٍ وَعَدَدٍ: هُوَ فِي رَبْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَفِيهَا لُغَتَانِ: ضَمُّ الرَّاءِ , وَكَسْرُهَا إِذَا أُرِيدَ بِهَا الِاسْمُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهَا الْفَعْلَةُ مِنَ الْمَصْدَرِ قِيلَ: رَبَا رَبْوَةً
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَآوَى إِلَيْهِ مَرْيَمَ وَابْنَهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الرَّمْلَةُ مِنْ فِلَسْطِينَ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:"الْزَمُوا هَذِهِ الرَّمْلَةَ الَّتِي بِفِلَسْطِينَ، فَإِنَّهَا الرَّبْوَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} "
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ دِمَشْقُ.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِهِ: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} قَالَ: إِلَى رَبْوَةٍ مِنْ رُبَا مِصْرَ قَالَ: «وَلَيْسَ الرُّبَا إِلَّا فِي مِصْرَ، وَالْمَاءُ حِينَ يُرْسَلُ تَكُونُ الرُّبَا عَلَيْهَا الْقُرَى، لَوْلَا الرُّبَا لَغِرَقَتْ تِلْكَ الْقُرَى»
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ: أَنَّهَا مَكَانٌ مُرْتَفِعٌ ذُو اسْتِوَاءٍ وَمَاءٍ ظَاهِرٍ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ صِفَةُ الرَّمْلَةِ، لِأَنَّ الرَّمْلَةَ لَا مَاءَ بِهَا مَعِينٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَصَفَ هَذِهِ الرَّبْوَةَ بِأَنَّهَا ذَاتُ قَرَارٍ وَمَعِينٍ.
وَقَوْلُهُ: {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مِنْ صِفَةِ الرَّبْوَةِ الَّتِي أَوَيْنَا إِلَيْهَا مَرْيَمَ وَابْنَهَا عِيسَى، أَنَّهَا أَرْضٌ مُنْبَسِطَةٌ , وَسَاحَةٌ وَذَاتُ مَاءٍ ظَاهِرٍ لِغَيْرِ الْبَاطِنِ جَارٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِالْقَرَارِ الثِّمَارُ
عَنْ قَتَادَةَ: {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} «هِيَ ذَاتُ ثِمَارٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ فِي مَعْنَى: {ذَاتِ قَرَارٍ} وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّهَا إِنَّمَا وُصِفَتْ بِأَنَّهَا ذَاتُ قَرَارٍ، لِمَا فِيهَا مِنَ الثِّمَارِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقِرُّ فِيهَا سَاكِنُوهَا، فَلَا وَجْهَ لَهُ نَعْرِفُهُ.