مَا زَالَت مطايا السهر تذرع بيد الدجى وعيون آمالها لَا ترى إِلَّا الْمنزل وحادي الْعَزْم يَقُول فِي إنشاده يَا رجال اللَّيْل جدوا إِلَى أَن نم النسيم بِالْفَجْرِ فَقَامَ الصَّارِخ ينعي الظلام فَلَمَّا هم اللَّيْل بالرحيل تشبثوا بذيل السحر
(فاستوقف العيس لي فَإِن عَليّ ... خلب فُؤَادِي تشد أرحلها)
(إِن دثرت دارها فَمَا دثرت ... منَازِل فِي الْقُلُوب تنزلها)
قَالَ عَليّ بن بكار مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة مَا أحزنني إِلَّا طُلُوع الْفجْر لَو قُمْت فِي السحر لرأيت طَرِيق الْعباد قد غص بالزحام لَو وَردت مَاء مَدين وجدت عَلَيْهِ أمة من النَّاس يسقون
(بانوا وخلفت أبْكِي فِي دِيَارهمْ ... قل للديار سقاك الرَّائِح الغادي)
(وَقل لأظعانهم حييت من ظعن ... وَقل لواديهم حييت من وَاد)
يَا بَعيدا عَنْهُم يَا من لَيْسَ مِنْهُم أَلَك نِيَّة فِي لحاقهم أَسْرج كميتك
واجرر زمامك يقف بك على المرعى يَا من يستهول أَحْوَال الْقَوْم تنقل فِي المراقي تعل قَالَ أَبُو زيد مَا زلت أسوق نَفسِي إِلَى الله وَهِي تبْكي حَتَّى سقتها وَهِي تضحك
للمتنبي
(مَا زلت أضْحك إبلي كلما نظرت ... إِلَى من اختضبت اخفافها بِدَم)
(من اقْتضى بسوي الْهِنْدِيّ حَاجته ... أجَاب كل سُؤال عَن هَل بلم)
قَالَ أَبُو زيد كنت اثنتي عشرَة سنة حداد نَفسِي وَخمسين سنة مرْآة قلبِي وَلَقَد أَحْبَبْت الله حَتَّى أبغضت نَفسِي
للخفاجي
(ثورها ناشطة عقالها ... قد مَلَأت من بدنهَا جلالها)
(فَلم تزل أشواقه تسوقها ... حَتَّى رمت من الوجي رِحَالهَا)
(مَاذَا على النَّاقة من غَرَامَة ... لَو أَنه أنصف أَو رثى لَهَا)
(أَرَادَ أَن تشرب مَاء حاجر ... أريها تطلب أم كلالها)
(إِن لَهَا على الْقُلُوب ذمَّة ... لِأَنَّهَا قد عرفت بلبالها)
(كَانَت لَهَا على الصِّبَا تَحِيَّة ... أعجلها السَّائِق أَن تنالها)
(وامتدت الفلاة دون خطوها ... كَأَنَّهَا قد كرهت زَوَالهَا)
(فعللوها بِحَدِيث حاجر ... ولتصنع الفلاة مَا بدا لَهَا)
انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...