واعلم أن كلَّ واحد من التمثيلين وإن احتمل أن يكون من قبيل التمثيل المفرق كما فِي قوله:
كأن قلوبَ الطير رَطْباً ويابسا... لدى وَكرها العُنّابُ والحَشَفُ البالي
بأن يُشبَّه المنافقون فِي التمثيل الأول بالمستوقدين وهُداهم الفطريُّ بالنار وتأييدُهم إياه بما شاهدوه من الدلائل باستيقادها وتمكنِهم التامِّ من الانتفاع به بإضاءتها ما حولهم وإزالته بإذهاب النور الناري ، وأخذ الضلالة بمقابلته بملابستهم الظلماتِ الكثيفة وبقائهم فيها ، ويشبهوا فِي التمثيل الثاني بالسابلة ، والقرآنُ وما فيه من العلوم والمعارفِ التي هي مدارُ الحياة الأبدية بالصيب الذي هو سببُ الحياة الأرضيةِ وما عَرَض لهم بنزوله من الغموم والأحزان وانكساف البال بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعدِ والبرقِ وتصامِّهم عما يقرَع أسماعَهم من الوعيد بحال من يَهُولُه الرعدُ والبرق فيخاف صواعقَه فيسدُّ أذنه عنها ، ولا خلاصَ له منها ، واهتزازُهم لِمَا يلمع لهم من رَشَدٍ يدركونه أو رِفد يُحرِزونه بمشيهم فِي مَطْرَحِ ضوء البرق ، كلما أضاء لهم ، وتحيُّرهم فِي أمرهم حين عنَّ لهم مصيبةٌ بوقوفهم إذا أظلم عليهم.