وهذا تمثيل وتصوير لما يخرّبه الله أو ديارهم على أيدي المسلمين، ويضيفه إلى دار الإسلام، وذلك أن الله لا يأتي، بل العساكر تغزو أرض الكفرة، وتأتي غالبة عليها ناقصة أو نواحيها. والمعنى؛ أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله، المستعجلون للعذاب، آثار قدرتنا في إتيان الأرض ناقصة أو جوانبها، ففتحناها للمؤمنين، وزدناها في ملكهم، واقتطعناها أو أيدى المشركين، فقد تم لهم فتح البلاد التي حوالي مكة، وقتل رؤسائها، إزالة دولة الشرك وأهله منها، ألا يتفكرون في هذا، فيكون لهم فيه مزدجر لو كانوا يعقلون.
والخلاصة: ألا يعتبرون ويحذروا أن ينزل بهم بأسنا، كما أنزلناه بسواهم، ثم وبّخهم، وأنّبهم على غفلتهم عن الحق بعد وضوحه فقال: {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} ؛ أي: أفهم الغالبون أم نحن؛ أي: فبعد ظهور ما ذكر، ورؤيتهم إياه يتوهمون غلبتهم.
45 -وبعد أن بيّن هول ما يستعجلون، وحالهم السيئة حين نزوله بهم، ثم نعى عليهم جهلهم، وإعراضهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم أو طوارق الليل وحوادث النهار، أمر رسوله أن يقول لهم: إن ما أخبركم به جاء به الوحي الصادق، فقال: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المستعجلين عذابنا {إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ} وأخوفكم وأحذركم ما تستعجلونه من الساعة وشديد أهوالها {بِالْوَحْيِ} الصادق والقرآن الناطق بحصوله، وفظاعة أهواله، وقد أمرني ربي بذلك، وها أنا ذا قد قمت بما أمرني به، فإن لم تجيبوا داعي الله، وتقبلوا ما دعوتكم إليه فعليكم النكال والوبال، لا عليّ.
ثم أردف هذا ببيان أن الإنذار مع مثل هؤلاء لا يجدي فتيلاً، فما حالهم إلّا حال الصمّ الذين لا يسمعون دعوة الداعي، فقال: {وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ} جمع الأصمّ. والصمم فقدان حاسة السمع {الدُّعَاءَ} إلى الإيمان {إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} ؛ أي: يخوفون من عذاب الله سبحانه.