وقد أخرج أحمد والترمذي وابن جرير في تهذيبه والبيهقي وغيرهم عن عائشة أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا عليك ولا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل"فجعل الرجل يبكي ويهتف، فقال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) "أما تقرأ كتاب الله (ونضع الموازين القسط) إلى قوله (حاسبين) "فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد لي ولهم خيراً من مفارقتهم أشهدك أنهم أحرار. وفي معناه أحاديث، وروي عن الشبلي أنه رؤى في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال:
حاسبونا فدققوا ... ثم منوا فأعتقوا
وكذا كل مالك ... بالمماليك يرفق
ثمِ شرع الله سبحانه في تفصيل ما أجمله سابقاً بقوله (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) وذكر عشر قصص، الأولى. قصة موسى، ثم إبراهيم ثم لوط ثم نوح ثم داود وسليمان ثم أيوب ثم إسماعيل وإدريس وذي الكفل، ثم يونس ثم زكريا ثم مريم وابنها عيسى فقال:
(ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين) المراد بالفرقان هنا التوراة قاله أبو صالح، وعن قتادة مثله لأن فيها الفرق بين الحلال والحرام والحق والباطل.
وقال ابن زيد الفرقان: الحق، وقيل الفرقان هنا هو النصر على الأعداء كما في قوله: وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان؛ قال الثعلبي: وهذا القول اشبه بظاهر الآية، ومعنى ضياء أنهم استضاؤوا بها في ظلمات الجهل والغواية، ومعنى الذكر الموعظة أي أنهم يتعظون بما فيها.
وخص المتقين لأنهم ينتفعون بذلك ووصفهم بقوله