ولأنّ ما بقي من الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها بدليل انبعاث خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه الموعود ببعثه في آخر الزمان ، وقال:"بعثت أنا والساعة كهاتين"، وأشار بإصبعيه وقال صلى الله عليه وسلم"ختمت النبوة بي"كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي ، وعن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون وهو من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم ، وهو ما يتلوه من صفات المشركين ، وهو قوله تعالى: {وهم} أي: والحال أنهم {في غفلة} أي: عن الحساب {معرضون} عن التأهب لهذا اليوم لا يتفكرون في عاقبتهم ، ولا يتفطنون لما يرجع إليه خاتمة أمرهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء ، وأيضاً إن هذه الآية نزلت في كفار مكة ، ولما أخبر تعالى عن غفلتهم وإعراضهم دلّ على ذلك بقوله:
{ما يأتيهم} وأغرق في النفي بقوله: {من ذكر} أي: وحي ينبههم عن سنة الغفلة والجهالة ، وقوله تعالى: {من ربهم} صفة ذكر أوصلة ليأتيهم {محدث} إنزاله أي: ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به ، وبهذا سقط احتجاج المعتزلة بأن القرآن حادث لهذه الآية ، وقيل: معناه أن الله تعالى يحدث الأمر بعد الأمر ، فينزل الآية بعد الآية والسورة بعد السورة في وقت الحاجة لبيان الأحكام وغيرها من الأمور والوقائع ، وقيل: الذكر المحدث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبيّنه من السنن والمواعظ سوى ما في القرآن ، وإضافه إليه ؛ لأن الله تعالى قال: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} (النجم: ،)
{إلا استمعوه} أي: قصدوا إسماعه وهو أجد الجد وأحق الحق {وهم} أي: والحال أنهم {يلعبون} أي: يفعلون فعل اللاعبين بالاستهزاء والسخرية لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور ، والتفكر في العواقب
{لاهية} أي: غافلة معرضة {قلوبهم} عن ذكر الله.