ولأنّ هذه الأفعال محتاجة إلى تلك الذات المتميزة بتلك الصفات حتى تثبت وتستقرّ.
(لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) [الأنبياء: 23] .
إذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم،
وقوله:"وأما طريقةُ التمانع فللمتكلمين فيها تجاولٌ وطراد"جُملةٌ مستطردة دخلت بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لأن قوله:"ولأن هذه الأفعال"معطوفٌ على قوله:"ولعلمنا أن الرعية"، وملزوزٌ به، وبانضمامه معه يتم الجواب قطعاً، والمراد من قوله:"هذه الأفعال"هو خلق السماوات والأرض وما بينهما وما بين يدينا وبحضرتنا من المصنوعات، يدل عليه قوله - فيما مر في تفسير (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ) الآيات -:"أي: ما سوينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق"إلى قوله:"اللهو واللعب"، يعني: أن هذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة محتاجةٌ إلى ذات له الحكمة الفائقة والقدرة الكاملة، والعلمُ النافذ حتى تثبت وتستقر: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) [فاطر: 41] .
قوله: (بتلك الصفات) متعلقٌ بقوله:"المتميزة"، قيل: فيه إشارة إلى مذهبه، وهو أن ذاته تُساوي سائر الذوات في كونه ذاتاً؛ إذ المعنى بالذات: مايصح أن يُعلم ويُخبر عنه، وهو مشتركٌ، ويخالفه الأحوال الأربعة: الحيةُ، والواجبية، والعالمية، والقادرية، وهذا قول أكثر المعتزلة، وأثبت أبو هاشم حالةً خامسةً، وهي علةٌ للأحوال الأربعة مميزةٌ للذات، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: ذاته المقدس تخالف سائر الذوات في كونه ذاتاً، أي: حقيقة لا تماثل غيرهن ويمنعون أن يقال: معنى الذات: ما يصح أن يُعلم ويُجبر عنه؛ لجواز