وَقَوْلُهُ: {إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِفَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، الَّذِي خَشِيَهُ هَارُونُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ هَارُونُ خَافَ أَنْ يَسِيرَ بِمَنْ أَطَاعَهُ، وَأَقَامَ عَلَى دِينِهِ فِي أَثَرِ مُوسَى، وَيُخَلِّفَ عَبَدَةَ الْعِجْلِ، وَقَدْ {قَالُوا} لَهُ {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} فَيَقُولُ لَهُ مُوسَى {فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} بِسَيْرِكَ بِطَائِفَةٍ، وَتَرْكِكَ مِنْهُمْ طَائِفَةً وَرَاءَكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: خَشِيتُ أَنْ نَقْتَتِلَ فَيَقْتُلَ بَعْضُنَا بَعْضًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ مُوسَى عَذَلَ أَخَاهُ هَارُونَ عَلَى تَرْكِهِ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ، فَرَّقْتَ بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ، فَتَرَكْتَ بَعْضَهُمْ وَرَاءَكَ، وَجِئْتَ بِبَعْضِهِمْ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْلِ هَارُونَ لِلْقَوْمِ {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} وَفِي جَوَابِ الْقَوْمِ لَهُ وَقِيلِهِمْ {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} .
وَقَوْلُهُ: {وَلَمْ تَرْقُبْ قُولِي}
يَقُولُ: وَلَمْ تَنْظُرْ قَوْلِي وَتَحْفَظُهُ، مِنْ مُرَاقَبَةِ الرَّجُلِ الشَّيْءَ، وَهِيَ مُنَاظَرَتُهُ بِحِفْظِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ} قَالَ مُوسَى لِلسَّامِرِيِّ: فَمَا شَأْنُكَ يَا سَامِرِيُّ؟ وَمَا الَّذِي دَعَاكَ إِلَى مَا فَعَلْتَهُ؟
وَقَوْلُهُ: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ}
يَقُولُ: قَالَ السَّامِرِيُّ: عَلِمْتُ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ، وَهُوَ فَعَلْتُ مِنَ الْبَصِيرَةِ: أَيْ صِرْتُ بِمَا عَلِمْتُ بَصِيرًا عَالِمًا.